في خطوة تعكس توجهاً نحو الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية بين تونس والهند إلى مستوى أكثر ديناميكية، احتضن فندق شيراتون تونس، اليوم الخميس، إطلاق المنتدى الاقتصادي المشترك الهندي–التونسي، بمبادرة من سفارة الهند بتونس، وبمشاركة واسعة من المسؤولين وممثلي المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال من البلدين.
وشكلت هذه المناسبة محطة مهمة في مسار التعاون الاقتصادي التونسي–الهندي، لاسيما مع توقيع اتفاقية بين اتحاد الصناعات الهندية (CII) وكنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية (CONECT)، إيذاناً بالانطلاق الرسمي للمنتدى، الذي يراد له أن يكون فضاءً دائماً للحوار والتشبيك بين القطاع الخاص في البلدين.
منصة جديدة لفتح آفاق الاستثمار:
لن يقتصر دور المنتدى على تنظيم لقاءات ظرفية، بل سيعمل على إرساء آلية منتظمة للتواصل بين مجتمعي الأعمال في تونس والهند، من خلال لقاءات افتراضية كل ستة أشهر، وأخرى حضورية سنوياً، بما يسمح بتبادل الخبرات والمعلومات واستكشاف فرص تجارية واستثمارية جديدة.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تحويل العلاقات الاقتصادية من مجرد مبادلات تجارية إلى شراكات منتجة ومشاريع مشتركة ونقل للتكنولوجيا والخبرات.
وشهد حفل الإطلاق حضور شخصيات اقتصادية وحكومية بارزة، من بينها السيد نجم الدين لكحل، مدير إدارة آسيا بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، الذي حضر بصفته ضيف شرف، إلى جانب رئيس كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية أسلان برجب، ورئيس وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي جلال الطبيب، والرئيس المدير العام لمركز النهوض بالصادرات مراد بن حسين، فضلاً عن وفد رجال الأعمال الهندي الذي قاده غوراف دينغرا، الرئيس التنفيذي لشركة AXIEVA.
تأشيرات رجال الأعمال : مفتاح لتسهيل المبادلات:
وأبرزت سفيرة الهند لدى تونس، الدكتورة ديفياني أو. خُوبرا غادِه، خلال كلمتها، الإمكانات الكبيرة المتاحة لتوسيع التجارة والاستثمارات بين البلدين، مؤكدة أهمية خلق مزيد من الفرص أمام القطاع الخاص.
ولم تغب مسألة تسهيل تنقل رجال الأعمال عن النقاش، حيث أشارت السفيرة إلى أن الجانب الهندي يواصل طرح مسألة تسهيل الحصول على تأشيرات أعمال طويلة الأمد لفائدة مجتمع الأعمال الهندي، باعتبار أن انسيابية التنقل تمثل عاملاً أساسياً في تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية.
كما شددت على أهمية الزيارات السياسية رفيعة المستوى، لما يمكن أن تؤديه من دور في إعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية وفتح مجالات أوسع للتعاون.
قطاعات واعدة للتعاون:
من جانبه، سلط نجم الدين لكحل الضوء على عدد من القطاعات التي يمكن أن تشكل أرضية خصبة لشراكات تونسية–هندية، وفي مقدمتها الفلاحة، والطاقات المتجددة، وإدارة المياه، والصناعات الدوائية، وصناعة السيارات والتكنولوجيات الرقمية.
كما طرح أهمية العمل على إبرام معاهدة ثنائية للاستثمار، إلى جانب دراسة إمكانية التوصل إلى اتفاق تجاري تفضيلي، بما من شأنه تعزيز المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمارات والمشاريع المشتركة ونقل التكنولوجيا بين البلدين.
من الحوار إلى الشراكة الفعلية:
ولعل أبرز ما ميز المنتدى كان تنظيم لقاءات أعمال ثنائية مباشرة بين الشركات التونسية والهندية، أتاحت للفاعلين الاقتصاديين من الجانبين التعرف عن قرب على مجالات الاهتمام المشترك وبحث فرص التعاون والشراكة.
وتعكس هذه اللقاءات توجهاً عملياً نحو الانتقال بالعلاقات الاقتصادية من مستوى التباحث العام إلى البحث عن مشاريع وفرص أعمال ملموسة، خصوصاً في القطاعات التي تتقاطع فيها احتياجات السوق التونسية مع الخبرات والإمكانات الهندية.
كما شهدت زيارة الوفد الاقتصادي الهندي سلسلة لقاءات مع عدد من أعضاء الحكومة التونسية، حيث التقت السفيرة الهندية بوزير الصناعة والمناجم والطاقة، ووزير الاقتصاد والتخطيط، ووزير التجارة وتنمية الصادرات، مؤكدة ضرورة تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي وتذليل الصعوبات التي قد تعترض مجتمع الأعمال الهندي.
صفحة جديدة في العلاقات الاقتصادية:
ويبدو أن إطلاق المنتدى الاقتصادي المشترك الهندي–التونسي يتجاوز كونه مجرد اتفاق بين منظمتين اقتصاديتين، ليشكل آلية جديدة لبناء شراكة أكثر انتظاماً واستدامة بين القطاع الخاص في البلدين.
ففي وقت تبحث فيه تونس عن تنويع شركائها الاقتصاديين وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، تمتلك الهند خبرات وإمكانات واسعة في مجالات متعددة يمكن أن تفتح أمام التعاون الثنائي آفاقاً جديدة.
وبين الرغبة السياسية في تعزيز العلاقات، والتحرك الدبلوماسي والاقتصادي، والانفتاح المتزايد للقطاع الخاص، تبدو تونس والهند أمام فرصة لتحويل التقارب الاقتصادي إلى شراكات حقيقية ومشاريع مشتركة قادرة على إعطاء مضمون جديد للعلاقات الثنائية.
ومن هنا، قد يكون إطلاق المنتدى اليوم ليس نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها: من الصداقة التقليدية إلى الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية.
نادرة الفرشيشي
زر الذهاب إلى الأعلى