Centered Iframe
إقتصاد و أعمال

بين السيادة والانفتاح: ملامح أفق اجتماعي جديد لسياسة الدولة

يأتي اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم 25 ديسمبر 2025 ليؤكد أن الدولة التونسية تدخل مرحلة جديدة من الفعل السياسي والاقتصادي، مرحلة عنوانها تسريع الإصلاحات وربط الخيارات الاقتصادية مباشرة بالإرادة الشعبية التي جدّدها التونسيون في 17 ديسمبر. فبعيداً عن الجمود والتردّد، يبدو أن السلطة التنفيذية اختارت المضي قدماً في معالجة الملفات الكبرى بمنطق المبادرة لا الانتظار.

اللافت في هذا الاجتماع ليس فقط طبيعة مشاريع القوانين ذات الصبغة الاقتصادية، بل الإطار العام الذي قُدّمت فيه. إذ تمّ التأكيد بوضوح على أن الإصلاحات الاقتصادية ليست غاية في حدّ ذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية طال انتظارها، وفي مقدّمتها الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية، واستعادة كرامة المواطن. هذا الربط بين الاقتصادي والاجتماعي يعكس تحوّلاً في طريقة تقديم السياسات العمومية، حيث لم يعد النمو مجرّد رقم، بل أداة لخدمة الإنسان.

مشاريع القوانين المتعلقة بتعديل اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر مع الفضاء الأورومتوسطي تندرج ضمن هذا التوجّه. فهي تعبّر عن وعي بأهمية الموقع الجغرافي والاقتصادي لتونس، وبالدور الذي يمكن أن تلعبه في سلاسل الإنتاج الإقليمية والدولية، خاصة في قطاعات واعدة مثل مكونات السيارات والصناعات الكهربائية والنسيج. هذه الخيارات، إذا ما أُحسن توظيفها، تفتح آفاقاً حقيقية لخلق مواطن شغل ذات قيمة مضافة، ونقل التكنولوجيا، وتحسين تنافسية النسيج الصناعي الوطني.

ورغم أن هذه السياسات تقوم على الانفتاح، فإنها لا تتناقض بالضرورة مع الخط السيادي الذي يميّز سياسة رئيس الجمهورية. على العكس، يظهر الخطاب الرسمي حرصاً على إعادة صياغة الشراكات الدولية على أساس الندّية والمصلحة المشتركة، لا التبعية أو الإملاءات. فاختيار الاندماج في الفضاء الأورومتوسطي لا يُقدَّم كخضوع لواقع مفروض، بل كاستثمار ذكي في شراكات قائمة، مع السعي إلى تحسين شروطها بما يخدم المصلحة الوطنية.

الأهم في هذا السياق هو أن الدولة لم تعد تكتفي بإدارة الاتفاقيات، بل تسعى إلى توظيفها ضمن رؤية شاملة وأفقية، تتجاوز المقاربات القطاعية الضيّقة التي أثبتت محدوديتها. هذا التمشي يوفّر فرصة حقيقية لإعادة توجيه عائدات الانفتاح نحو الداخل، خاصة إذا ما اقترن بإصلاحات هيكلية داخلية، وتبسيط للإجراءات، وحوكمة رشيدة للمؤسسات العمومية.

صحيح أن التحديات ما تزال قائمة، وأن ترجمة الوعود الاجتماعية إلى واقع ملموس تتطلّب وقتاً وإرادة سياسية مستمرة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الدولة واعية بهذه الرهانات، وتسعى إلى معالجتها بمنطق جديد يقوم على السرعة، والانسجام، وتحمل المسؤولية.

في المحصّلة، يعكس هذا الاجتماع توجّهاً يمكن أن يشكّل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، شرط أن تُترجم الخيارات الاقتصادية إلى نتائج اجتماعية ملموسة، وأن يُنظر إلى السيادة لا كقطيعة، بل كقدرة على الاختيار الواعي داخل عالم مترابط. وهو أفق، وإن بدا طموحاً، يظل ممكناً إذا ما اقترن الخطاب بالفعل، والإصلاح بالإنصاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى