Centered Iframe
أخبار وطنية

الأمن الرقمي… الدرع في مواجهة التهديدات الرقمية

   خلف الشاشات والأنظمة، تُخاض اليوم معركة حاسمة لحماية الاقتصاد الوطني والخدمات العمومية. معركة لا تقل أهمية عن الإصلاحات الكبرى، لأنها تمسّ صميم الدولة الاجتماعية.

لم يعد الخطر الذي يتهدد الدولة التونسية محصورًا في العجز المالي أو الضغوط الخارجية أو اختلالات المنظومة الاقتصادية فحسب. فهناك جبهة أخرى، صامتة وغير مرئية، تُدار داخل المنظومات الرقمية الحساسة، حيث يمكن لثغرة تقنية واحدة أن تُربك خدمات حيوية وتمسّ مباشرة حقوق المواطنين وثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.

في زمن الرقمنة الشاملة، أصبح الأمن الرقمي أحد أعمدة الاستقرار الوطني، رغم بقائه خارج دائرة الاهتمام العمومي والسياسي بالشكل الذي تفرضه خطورته الفعلية.

جبهة صامتة… ومخاطر نظامية حقيقية

تعتمد الدولة اليوم، في تسيير شؤونها الاقتصادية والاجتماعية، على أنظمة معلومات مترابطة ومعقّدة. هذه الأنظمة تدير المعاملات المالية، صرف الأجور والجرايات، تمويل المؤسسات، وتسيير موارد الدولة.

وأي إخلال في هذه المنظومات لم يعد يُعدّ حادثًا تقنيًا محدودًا، بل خطرًا نظاميًا قد يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني برمّته. فتعطّل الخدمات أو التلاعب بالمعطيات أو تسريبها قد يؤدي إلى شلل مؤقت أو طويل المدى، ويُربك الثقة العامة ويضاعف كلفة الأزمات.

الأمن الرقمي كأداة سيادة وطنية

لم تعد السيادة في معناها الحديث مقتصرة على القرار السياسي أو الاستقلال المالي، بل باتت تشمل القدرة على حماية البيانات الوطنية والمعاملات الحساسة والبنى التحتية الرقمية الاستراتيجية.

فالمنظومات الرقمية العمومية تحتضن معطيات تمسّ حياة المواطنين اليومية، والنشاط الاقتصادي، والسياسات العامة للدولة. وأي اختراق سيبراني أو سوء تصرّف داخلي لا يهدد فقط سلامة هذه الأنظمة، بل يضرب في العمق مصداقية الدولة وقدرتها على فرض سيادتها.

من هذا المنظور، يصبح الأمن الرقمي خط دفاع أساسي عن القرار الوطني، لا يقل أهمية عن بقية أدوات الحماية السيادية.

الدولة الاجتماعية تحت الاختبار الرقمي

العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالشعارات، بل باستمرارية الخدمات العمومية وحماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين. فأي هجوم أو عطب رقمي قد يؤدي إلى:

  • تعطيل صرف الأجور أو الجرايات،

  • شلل المدفوعات الأساسية،

  • إرباك تمويل المؤسسات المنتجة.

وهكذا، يتحول الخلل الرقمي إلى أزمة اجتماعية مباشرة، تمسّ الفئات الأكثر هشاشة قبل غيرها. لذلك، فإن الأمن الرقمي لا يحمي الأنظمة فقط، بل يحمي كرامة المواطن وحقه في النفاذ المنتظم إلى الخدمات العمومية.

الشفافية والثقة في قلب المعركة

تعني المنظومات الرقمية المؤمّنة شفافية أعلى في التصرّف، ومسؤولية أوضح في الإدارة، ومعلومة مالية موثوقة. وهي عناصر أساسية لاستعادة الثقة في المؤسسات وتعزيز صورة الدولة داخليًا وخارجيًا.

في المقابل، فإن ضعف الحوكمة الرقمية يضاعف الشكوك، ويرفع كلفة المخاطر، ويُضعف جاذبية الاقتصاد الوطني في ظرف إقليمي ودولي شديد التنافسية.

استثمار وقائي لا كلفة إضافية

رغم ذلك، لا يزال الأمن الرقمي يُنظر إليه في بعض الأحيان كعبء مالي يمكن تأجيله. غير أنّ التجارب الدولية أثبتت أن كلفة الوقاية أقل بكثير من كلفة الأزمات الرقمية التي قد تكون آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية باهظة وطويلة الأمد.

إنّ الاستثمار في حماية المنظومات الرقمية هو استثمار في استقرار الدولة، وحماية الاقتصاد الوطني، وصيانة الحقوق الاجتماعية للمواطنين.

في تونس اليوم، لم يعد الأمن الرقمي مسألة تقنية ثانوية، بل أصبح خط الدفاع الصامت عن السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.
وجعلُه أولوية استراتيجية هو شرط أساسي لبناء دولة قوية، واقتصاد صامد، ومؤسسات قادرة على مواجهة التحديات القادمة بثقة ومسؤولية.

عبد الوهاب بن موسى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى