ضمن برنامج الدورة الثانية للصالون الوطني للفنون التشكيلية، الذي ينتظم تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، احتضن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر مساء الجمعة 30 جانفي 2026، لقاء فكريا تحت عنوان “راهن الممارسة التشكيلية في تونس: تحيين المفهوم وفهم الممارسة”.
تضمن 4 مداخلات لأربعة مختصين من الأساتذة والدكاترة الحبيب بيدة وعبد الواحد المكني وهيثم الجميل ومفيدة الغضبان التي أدارت اللقاء واستهلته بمداخلة تضمنت مجموعة من الأسئلة والاستفهامات حول الموضوع ككل وحول مصطلحاته وهي تقريبا نفس الاسئلة التي طرحها بقية المتدخلين وحاولوا الاجابة عنها من خلال بعض الأمثلة لكن الاجماع كان حاصلا على الصعوبات الكبيرة لقطاع الفن التشكيلي وحتى لبقية الفنون في البلاد التونسية، مع تقديم بعض المقترحات التي قد تنهض بهذا القطاع.
واستهلت اللقاء مفيدة الغضبان بمداخلة تمحورت حول مساءلة مفهوم “الصالون” ذاته، معتبرة أن الصالون هو مفهوم ثقافي وجمالي وسياسي في الآن نفسه وهو ليس مجرد إطار لعرض الأعمال الفنية. وطرحت تساؤلات حول مدى جدوى الاكتفاء بصيغة الصالون وإمكانية التفكير في صيغ موازية أو بديلة تمثل تنوع الممارسات التشكيلية. وتوقفت عند إشكالية الحديث عن “المفهوم” بصيغة المفرد، مؤكدة أن كل حديث عن مفهوم الفن أو الصالون يستبطن تعددية المفاهيم واختلافها باختلاف الفاعلين والممارسات.
وفي سياق حديثها عن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، شددت على الدور الأرشيفي والمعرفي للمتحف، وعلى أهمية “الكاتالوغ” بوصفه وثيقة متحفية ووطنية، متسائلة عما إذا كان “الكاتالوغ” المصاحب للصالون قادرا على تمثيل الذاكرة التشكيلية الوطنية وخدمة الباحثين والدارسين مستقبلا. ودعت إلى مقاربة ثقافية شاملة تعتبر الثقافة نتاج تراكمات تشمل البحث الأكاديمي والورشات والمعارض واللقاءات الفكرية لا أن تكون مجرد سياسات ظرفية أو مؤسسات إدارية.
وقدّم الأستاذ الحبيب بيدة مداخلة ذات بعد تاريخي ونقدي، استعاد فيها نقاشات مماثلة تعود إلى أكثر من خمسين سنة، مبرزا أن الأسئلة المطروحة اليوم حول واقع الفنون التشكيلية ليست جديدة مشيرا إلى أن المفارقة القائمة تكمن في توسّع منظومة التكوين الأكاديمي في الفنون التشكيلية وغياب مسارات مهنية واضحة للفنانين المتخرجين.
كما أوضح الاستاذ الحبيب بيدة أن تونس تُعد من أكثر الدول العربية التي استثمرت في التكوين الاكاديمي الفني بل هي الاولى عربيا في الفنون التشكيلية والثانية بعد مصر في السينما والمسرح، غير أن هذا الاستثمار على حد تعبيره لم يتدعم ويثرى بسياسات ثقافية واقتصادية قادرة على استيعاب هذا الكم من المبدعين وهو ما أدى إلى هشاشة الوضع المهني للفنان التشكيلي في بلادنا حسب قوله
هذا اللقاء الفكري، الذي نظمه المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، كان فرصة حقيقية لطرح اشكاليات عميقة تهم قطاع الفن التشكيلي، وهو ما تجلى في عنصر النقاش الذي وان عبر عن آمال الفنانين التشكليين، فقد عبر خاصة عن صعوبة الوضع الراهن مطالبين بالتغيير والتطوير وخلق آفاق جديدة ومعاصرة، لكن تحديد المفاهيم، حول موضوع اللقاء كان أكثر من ضروري لإعادة التفكير، وهو ما ذهب إليه الأستاذ عبد الواحد المكني، المختص جامعيا في التاريخ، حين دعا إلى ضرورة إعادة التفكير في مفهوم “تحيين المفهوم” ذاته، لأن المفهوم لا يمكن فصله عن الزمن والسياق والمؤسسةحسب تعبيره.
كما دعا في السياق ذاته إلى مقاربة جماعية للفن، تقوم على تقاسم المسؤوليات بين الفنان، والجامعة، والمؤسسة الثقافية، والدولة. مبرزا أن الفنون التشكيلية لم تحظ بنفس مستوى التثمين الذي حظيت به مجالات أخرى كالمسرح أو الموسيقى وذلك بسبب غياب سياسات واضحة تحمي الفنان وحقوقه الفكرية، خاصة في ظل التحديات الجديدة التي تطرحها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما ركز المكني في مداخلته على أهمية البحث الأكاديمي والنقد الفني بوصفهما ركيزتين أساسيتين لفهم الممارسة التشكيلية وتطويرها، محذرا من اختزال الفن في بعده الاستهلاكي أو المناسباتي. كما أشار إلى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية “الخطيرة” لتهميش الفنان والتي قد تصل إلى العزلة أو “الانتحار الرمزي”، على حد تعبيره.
من جانبه اهتم الاستاذ بالمعهد العالي للفنون الجميلة، هيثم الجميّل في مداخلته التي سبقت عنصر النقاش بالبعد البنيوي لموضوع اللقاء، حين شدد على أن الإشكال ليس في كثرة عدد خريجي معاهد الفنون الجميلة وإنما الاشكال الاكبر حسب تعبيىه في ضعف المنظومة التي تحتضن الإنتاج الفني بعد التكوين. وأكد في هذا الصدد أن الجامعة لا تصنع الفنان وإنما تمنحه أدوات أولية، تساعده لاحقا عند الاحتكاك بالسوق وبالجمهور وبالوسط المهني ككل.
وفي سياق متصل أشار الجميل إلى ما سماه “هشاشة” سوق الفن في تونس و”ضعف” الوساطة الثقافية و”غياب” النقد الفني المتخصص، معتبرا أن هذه العناصر هي الأهم وهي العناصر الأساسية في بناء القيمة الرمزية للعمل الفني. مشددا على الدور المحوري للمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في حفظ الذاكرة الفنية وإنتاج السرديات التي تمثل الفن التشكيلي التونسي.
زر الذهاب إلى الأعلى