Centered Iframe
تكنولوجيا وعلوم

الرقمنة في خدمة التكامل الاقتصادي المغاربي: بين الفرص والتحديات

تونس والجزائر تسعيان لاستثمار التحوّل الرقمي لتعزيز التعاون الإقليمي دون تجاهل التحديات والقيود العملية


في عالم تتسارع فيه التحوّلات الرقمية عالميًا، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بمواردها الاقتصادية أو موقعها الجغرافي، بل بقدرتها على إدارة التكنولوجيا وبناء منظومات رقمية سيادية. وفي هذا الإطار، يبرز التقارب التونسي الجزائري في المجال الرقمي كأحد العوامل المهمة التي قد تدفع نحو اندماج اقتصادي مغاربي تدريجي، قائم على المشاريع العملية والتعاون المشترك، مع الاعتراف بالقيود والتحديات التي تواجه تنفيذ هذه التحوّلات على أرض الواقع
.

لم يعد التعاون بين تونس والجزائر مجرّد عنوان دبلوماسي تقليدي، بل بدأ يكتسب تدريجيًا مضمونًا اقتصاديًا ملموسًا، خاصة مع بروز التحوّل الرقمي كأحد المجالات الاستراتيجية للشراكة بين البلدين. فالاقتصاد الرقمي، بما يتيحه من فرص للنمو السريع وتحديث الإدارة وتحسين الإنتاجية، أصبح أداة أساسية لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية الإقليمية وتعزيز القدرة التنافسية في المنطقة المغاربية.

وقد شكّلت مصادقة الجزائر سنة 2025 على اتفاق التعاون الثنائي في المجال الرقمي، الموقّع سنة 2023، خطوة مهمّة تعكس إرادة مشتركة للانتقال من منطق التعاون الظرفي إلى بناء شراكة هيكلية طويلة المدى. وتكمن أهمية هذا الاتفاق في كونه يركّز على تبادل الخبرات وتنسيق السياسات العمومية وتطوير مشاريع مشتركة في قطاع يُعدّ من أبرز القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.

فالرقمنة، بخلاف القطاعات التقليدية، تتيح تحقيق نتائج ملموسة نسبيًا بأقلّ كلفة بنيوية، ما يجعلها مدخلًا مناسبًا لتعزيز الاندماج الاقتصادي بين البلدين، دون أن تكون الخيار الوحيد، إذ تبقى هناك مجالات أخرى يمكن أن تدعم التكامل.

في تونس، يحتلّ التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي موقعًا محوريًا ضمن مخطط التنمية للفترة 2026–2030، باعتبارهما رافعتين لتحديث الإدارة وتحسين مناخ الأعمال ودعم الابتكار. أما الجزائر، فتسعى بدورها إلى تسريع رقمنة خدماتها العمومية وبناء اقتصاد رقمي قادر على تنويع مصادر النمو وتقليص الاعتماد على قطاع المحروقات.

هذا التقاطع في الرؤى التنموية يوفّر أرضية مناسبة لتنسيق السياسات الرقمية بين البلدين، سواء في مجال الحكومة الإلكترونية، أو تطوير الخدمات الرقمية، أو تعزيز قابلية تشغيل الأنظمة المعلوماتية. ومن شأن هذا التنسيق أن يقلّص الحواجز التقنية التي غالبًا ما تعيق التعاون الاقتصادي الإقليمي.

غير أنّ الرهان الأعمق يتجاوز مسألة تحديث الخدمات ليصل إلى مفهوم السيادة الرقمية. فقد أثبتت التحولات العالمية الأخيرة أن التحكم في البيانات والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني أصبح عنصرًا أساسيًا من عناصر السيادة الاقتصادية. والدول التي لا تمتلك قدراتها التكنولوجية تجد نفسها تدريجيًا في موقع تبعية متزايدة للمنصات والشركات العالمية الكبرى.

من هذا المنطلق، يمكن للتعاون التونسي الجزائري أن يشكّل بداية مقاربة إقليمية جديدة تقوم على تطوير الكفاءات المحلية، وتوحيد المعايير التقنية، وتعزيز القدرة الجماعية على التفاوض مع الفاعلين الدوليين في المجال التكنولوجي. فالتكامل الرقمي لا يعني فقط تبادل الخدمات، بل بناء قدرة مشتركة على الإنتاج والابتكار.

وتزداد أهمية هذا المسار بالنظر إلى عناصر التكامل المتوفرة بين البلدين: رأس مال بشري مؤهل، موارد طاقية داعمة للتحوّل الصناعي الرقمي، بنية تحتية متنامية، وقطاع خدمات رقمية واعد. ويمكن لهذه المقومات، إذا ما أُحسن استثمارها، أن تساهم في نشوء سلاسل قيمة إقليمية جديدة قادرة على جذب الاستثمار وخلق فرص العمل.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوجه يظلّ مشروطًا بقدرة السياسات العمومية على ضمان توزيع عادل لثمار التحوّل الرقمي، من خلال تقليص الفجوة الرقمية بين الجهات، ودعم المؤسسات الناشئة، وربط الابتكار التكنولوجي بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة.

لعلّ أهم ما يميّز التعاون الرقمي بين تونس والجزائر هو أنه يقدّم مقاربة واقعية لإحياء فكرة التكامل المغاربي بعيدًا عن التعقيدات السياسية التقليدية. فبدل انتظار مشاريع اندماج شاملة يصعب تحقيقها دفعة واحدة، يمكن للرقمنة أن تخلق مسارًا تدريجيًا قائمًا على النجاحات القطاعية المتراكمة.

وفي ظلّ التحولات الجيواقتصادية العالمية وصعود التكتلات الإقليمية الكبرى، قد يمثّل هذا المسار فرصة لإعادة تموقع الفضاء المغاربي كمنطقة تعاون اقتصادي بين إفريقيا وأوروبا، قادرة على لعب دور فاعل في الاقتصاد الرقمي العالمي.

إنّ التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في مواكبة الثورة الرقمية، بل في تحويلها إلى مشروع إقليمي مشترك يعيد تعريف مستقبل التعاون المغاربي على أسس واقعية، قائمة على الابتكار والسيادة والتنمية المشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى