في تونس، تتكرر المقارنة بين البنوك العمومية والبنوك الخاصة، ليس من باب التقليل من قدرات أي طرف، بل لفهم مكامن القوة والخلل. على الرغم من العمل في نفس السياق الاقتصادي والضغط المالي المماثل، تحقق البنوك الخاصة مرونة وربحية أعلى، بينما تكافح البنوك العمومية لمواجهة أزماتها المتكررة.
السؤال الأساسي ليس: لماذا تنجح البنوك الخاصة؟ بل: كيف يمكن للبنوك العمومية أن تصبح أدوات فعّالة في تنفيذ السياسات العامة، وتعيد دورها كذراع مالية للدولة بكفاءة وشفافية؟
وضوح الهدف: بين الربحية والخدمة العمومية
البنوك الخاصة تتحرك بمنطق واضح: الربحية المستدامة وتعظيم قيمة المساهمين. هذا الوضوح يُترجم مباشرة إلى سرعة القرار، ضبط المخاطر، وربط المسؤولية بالنتائج.
أما البنوك العمومية، فتعمل وفق أهداف متعددة: دعم السياسات الوطنية، تمويل القطاعات الاستراتيجية، الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، إضافة إلى التوازن المالي. تعدد الأهداف ليس ضعفًا، لكن غياب إطار حوكمة واضح يضعف ترجمة هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة.
المقارنة مع البنوك الخاصة تكشف الفرق الجوهري:
-
في القطاع الخاص، المواقع القيادية مرتبطة بمؤشرات أداء واضحة، والتقييم دوري وشفاف.
-
في القطاع العمومي، غالبًا ما تتقدم التوازنات الداخلية – الإدارية والاجتماعية – على معيار الأداء.
نتيجة ذلك، تتباطأ الإصلاحات، وتصبح المساءلة غامضة، حتى عند وجود كفاءات عالية.
إعادة هيكلة منظومة الحوافز
منظومة الحوافز هي حجر الزاوية. في البنوك الخاصة، يرتبط التعيين والتمديد والترقية مباشرة بالنتائج. أما في البنوك العمومية، فقد تتأثر المواقع القيادية بشبكات تأثير داخلية، خاصة النقابية، ما يضعف حافز الإنجاز ويبطئ الإصلاح.
عناصر الهيكلة المقترحة:
-
تعاقد أداء فردي للمواقع القيادية، يشمل مؤشرات مالية وتشغيلية وحوكمة.
-
تقييم سنوي شفاف مرتبط بتحقيق الأهداف.
-
لجان مستقلة للترقيات تضمن حياد التعيينات بعيدًا عن الولاءات.
-
حماية العمل النقابي ضمن مجاله الطبيعي دون امتداد إلى القرار التنفيذي.
الفصل الوظيفي بين الإدارة التنفيذية والنقابة لا يعني إقصاء أي طرف، بل يحقق التوازن المطلوب ويعيد ديناميكية البنك.
تجارب ناجحة للبنوك العمومية عالمياً
الملكية العمومية ليست عائقًا. التجارب الدولية تظهر أن النجاح ممكن عندما تتوفر شروط واضحة:
-
استقلال فعلي لمجلس الإدارة.
-
فصل صارم بين الإدارة التنفيذية والتمثيل الاجتماعي.
-
أهداف استراتيجية قابلة للقياس.
-
تقييم دوري وشفاف.
الفرق إذن ليس بين “عمومي” و”خاص”، بل في مدى احترام قواعد الحوكمة الحديثة.
السياسات العامة: الطريق نحو الذراع المالية الفعّالة
لتحويل البنك العمومي إلى أداة استراتيجية للدولة، يجب ربط الإصلاح بالممارسات والسياسات العامة:
-
تحديد أهداف واضحة بين الدولة والبنك تشمل التمويل التنموي، مؤشرات الأداء، سقف المخاطر وآليات الرقابة.
-
تحييد القرار المهني لضمان أن القرارات الائتمانية اليومية تخضع لمعايير مخاطر واضحة ومهنية.
-
إعادة هيكلة الحوافز لربط المواقع القيادية بنتائج فعلية بعيدًا عن التوازنات الداخلية.
-
توظيف التكنولوجيا لتقريب الفجوة مع البنوك الخاصة، مع وضوح المسؤوليات وسرعة اتخاذ القرار.
الذراع المالية للدولة بين النجاعة والمسؤولية
التحدي الحقيقي هو الجمع بين صرامة الحوكمة الخاصة ووضوح الرسالة العمومية:
-
تمويل أولويات الدولة بكفاءة.
-
المنافسة في السوق وتحسين خدمات الحرفاء.
-
الحفاظ على الاستقرار المالي وثقة المستثمرين.
حين يتحقق هذا التوازن، يصبح البنك العمومي قادرًا على مواجهة التحديات، وتحويل دوره من مجرد مؤسسة تقليدية إلى ذراع مالية فعّالة.
المقارنة مع البنوك الخاصة ليست مجرد تشخيص، بل درس عملي: الحوكمة، الحوافز، والمسؤولية المباشرة عن النتائج هي مفاتيح النجاح.
إعادة الاعتبار للبنوك العمومية تتطلب إرادة سياسية واضحة، تطبيق السياسات العامة، وضبط منظومة الحوافز بطريقة تضمن الأداء والشفافية. عندها فقط، يمكن الإجابة عن السؤال القديم: لماذا تتعثر البنوك العمومية حيث تنجح البنوك الخاصة؟
والجواب سيكون واضحًا: الفرق هو الحوكمة، الإدارة الرشيدة، وربط المسؤولية بالنتائج.
كاتب المقال: عبد الوهاب بن موسى
زر الذهاب إلى الأعلى