Centered Iframe
Centered Video
إقتصاد و أعمال

رأس المال البشري والمخطط التنموي 2026-2030: هل البنوك العمومية جاهزة لتنفيذ طموحات الدولة؟

مع اقتراب وضع اللمسات الأخيرة على المخطط التنموي 2026-2030، تتجه الأنظار إلى حجم المشاريع المنتظرة: استثمار في الطاقات المتجددة، دعم للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتسريع الانتقال الرقمي. وهي أهداف ضرورية لاقتصاد يبحث عن النمو والاستقرار.

لكن بعيداً عن الأرقام والشعارات، يطرح سؤال عملي نفسه: هل المؤسسات التي ستتولى تمويل هذه المشاريع، وفي مقدمتها البنوك العمومية، تملك فعلاً الإمكانيات البشرية والتنظيمية الكافية لتنفيذ هذه التوجهات؟

هذا السؤال لا يتعلق بالموارد المالية فقط، بل يرتبط أساساً بالعنصر البشري وبطريقة إدارة المؤسسات.

البنوك العمومية: دور محوري ومسؤوليات كبيرة

تؤدي البنوك العمومية في تونس دوراً يتجاوز النشاط البنكي التقليدي، فهي تساهم في تمويل الاستثمار، ودعم القطاعات الحيوية، والحفاظ على توازن المنظومة المالية. وفي اقتصاد ما تمثل الدولة فيه فاعلاً رئيسياً، تبقى هذه البنوك أداة أساسية لتنفيذ السياسات الاقتصادية.

و اذ لا يمكن إنكار الجهود التي بُذلت خلال السنوات الماضية، سواء في مجال التكوين أو الانتداب أو تحسين الظروف الاجتماعية للأعوان الا أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تمنع ظهور صعوبات متكررة في الأداء وفي سرعة اتخاذ القرار.

المشكلة في كثير من الأحيان لا تعود إلى نقص القوانين أو الهياكل، بل إلى طريقة الحوكمة داخل المؤسسات، أي إلى وضوح المسؤوليات وكيفية اتخاذ القرار.

مؤشرات تدعو إلى الانتباه

عدة مؤشرات أصبحت واضحة داخل عدد من البنوك العمومية، من بينها:

  • مغادرة بعض الكفاءات نحو القطاع الخاص أو الخارج،

  • تفاوت كبير بين أجيال الموظفين من حيث التكوين والمهارات الرقمية،

  • غياب خطط واضحة لتعويض المسؤولين عند التقاعد أو النقل،

  • بطء في الإجراءات الإدارية يؤثر في سرعة تمويل المشاريع.

هذه الصعوبات لا تظهر دائماً في التقارير الرسمية، لكنها محسوسة في العمل اليومي داخل الفروع والإدارات.

كما أن كتلة الأجور المرتفعة في بعض المؤسسات، مقارنة بالمعايير الدولية، تمثل عبئاً على التوازنات المالية، خاصة عندما لا يقابلها ارتفاع في الإنتاجية.

من جهة أخرى، يفرض التحول الرقمي تحديات إضافية، إذ تحتاج البنوك إلى أنظمة معلومات حديثة وإلى كفاءات قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الجديدة، وهو ما يتطلب تخطيطاً طويل المدى في مجال الموارد البشرية.

الحوكمة الواضحة شرط للإصلاح

التجربة أثبتت أن توفر القوانين وحده لا يكفي.
النجاعة داخل أي مؤسسة ترتبط بوضوح الإجابة عن أسئلة بسيطة:
من يقرر؟
على أي أساس؟
ومن يتحمل المسؤولية؟

عندما تكون هذه الحدود غير واضحة، تتأخر القرارات، ويصبح الحذر المفرط هو القاعدة، وهو ما ينعكس مباشرة على تمويل الاستثمار وعلى ثقة المتعاملين.

ولا يعني إصلاح الحوكمة إضعاف الدور الاجتماعي للمؤسسة أو إقصاء الشريك النقابي، بل يعني تنظيم الأدوار حتى يتحمل كل طرف مسؤوليته في إطار واضح ومتفق عليه.

ثلاث أولويات ضرورية

حتى تتمكن البنوك العمومية من مواكبة أهداف المخطط التنموي 2026-2030، تبدو الحاجة ملحّة إلى العمل على ثلاث نقاط أساسية:

  1. توضيح الصلاحيات داخل المؤسسة حتى تكون القرارات أسرع وأكثر نجاعة.

  2. اعتماد معايير واضحة في التعيينات والترقيات بما يعزز مبدأ الكفاءة والاستحقاق.

  3. وضع خطة حقيقية لتطوير الموارد البشرية تشمل التكوين، والانتداب، وإعداد جيل جديد قادر على مواكبة التحول الرقمي.

هذه الإجراءات لا تتطلب بالضرورة إمكانيات مالية كبيرة، لكنها تحتاج إرادة في الإصلاح وتنظيماً أفضل في التسيير.

المخطط التنموي 2026-2030: النجاح يبدأ من داخل المؤسسات

نجاح أي مخطط تنموي لا يتوقف فقط على جودة البرامج، بل على قدرة المؤسسات على تنفيذها.
فالمستثمر يحتاج إلى إدارة سريعة وواضحة، والمشاريع تحتاج إلى تمويل في الوقت المناسب، والاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بثقة.

تونس تملك خبرة بنكية مهمة، وتملك كفاءات بشرية عالية، وتملك أيضاً تقاليد في الحوار الاجتماعي.
لكن التحدي اليوم هو حسن توظيف هذه العناصر في إطار حوكمة أكثر وضوحاً وفاعلية.

المخطط التنموي 2026-2030 يمكن أن يكون فرصة حقيقية لدفع الاستثمار وتحريك الاقتصاد،
لكن نجاحه يمر حتماً عبر إصلاح طريقة إدارة المؤسسات التي ستتولى تنفيذه،
وفي مقدمتها البنوك العمومية.

فالتنمية لا تتحقق بالمخططات فقط،
بل تتحقق عندما تكون المؤسسات قادرة على تحويل هذه المخططات إلى واقع.

عبد الوهاب بن موسى

مهندس إعلامية

إطار سام ببنك عمومي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى