تشهد الساحة الكوميدية اليوم حالة من الغليان تشبه “البورصة”؛ أسهم ترتفع وأخرى تهوي، لكن المفارقة تكمن في الفجوة المتسعة بين “الاستحقاق الفني” وبين “التتويج الورقي” الذي تمنحه بعض المسابقات الإعلامية لأعمال لم تلامس وجدان الجمهور، وبدت في مجملها متوسطة القيمة إن لم نقل هزيلة. في هذه الورقة، لا ننفض الغبار عن أسماء منسية، بل نسلط الضوء على طاقات فرضت نفسها بالجهد والموهبة، ونختار الانحياز للفن الحقيقي بعيداً عن حسابات “الكواليس”.
لبنى السديري: سيدة الركح المظلومة نقدياً
تتربع لبنى السديري اليوم على عرش الكوميديا النسائية دون منازع. هي فنانة لا تمثل الأدوار بل “تتقمصها” بمرونة مدهشة، مستندة إلى ثقافة فنية صلبة وروح ضاحكة بالفطرة. تجلى هذا النضج في العملين الأنجح: “هذي آخرتها” و**”صاحبك راجل”**.
في “هذي آخرتها”، قدمت لبنى “ديو” استثنائياً مع القدير عبد اللطيف خير الدين، حيث بدت نجمة ساطعة تعرف متى تقتنص الضحكة ومتى تترك للموقف هيبته. تقنياً وفنياً، لبنى السديري هي الأحق بجائزة أفضل ممثلة كوميدية رمضانية، وبقاء جوائز المؤسسات الرسمية بعيدة عنها يطرح علامات استفهام كبرى حول معايير التقييم التي تتجاهل التأثير الجماهيري والتمكن الأدائي لصالح حسابات ضيقة.
سيف عمران: “الطفل المعجزة” الذي أربك الحسابات
إذا أردنا الحديث عن التلقائية في أبهى صورها، فلا بد أن نتوقف عند سيف عمران. هذا الفنان الذي يمكن وصفه بـ “الطفل المعجزة” باتساع المعنى، نجح في أن يجمع بين التقمص الدرامي والقدرة على الأداء الغنائي، مؤكداً علو كعبه كفنان شامل.
لقد كانت بصمته في فيلم “لقشة من السماء” وفي سلسلة “هذي آخرتها” بمثابة إعلان عن ميلاد عملاق يسكن جسد شاب؛ إذ يؤدي بتلقائية الكبار وكاريزما نادرة تجعله يستحق أعلى درجات التقييم، فهو ليس مجرد مؤدٍّ عابر، بل ظاهرة فنية قادمة بقوة.
نور الدين بوحجبة: “باخانو” واكتشاف روح التميز
يأتي نور الدين بوحجبة (باخانو) ليكون أحد أجمل اكتشافات الكوميديا الحديثة. سرّ تميز بوحجبة يكمن في تلك “الروح العالية” التي يضفيها على الشخصية، حيث يبتعد عن الابتذال ليصنع ضحكاً ذكياً ينبع من الموقف والحركة. هو فنان يمتلك أدواته الخاصة ويطوعها لخدمة النص، مما جعله علامة فارقة في المشهد الحالي وركناً أساسياً في بورصة التميز الإبداعي.
عزيز بن جميع
زر الذهاب إلى الأعلى