Centered Iframe
Centered Video
ثقافة وفنون

عبر معرض للأزياء… قابس سينما فن ينغمس في  ذاكرة السينما التونسية

في دار المدّب، ينسج مهرجان قابس سينما فن خيوط الذاكرة على مهل عبر معرض “أزياء على الخشبة: ذاكرة السينما التونسية” حيث تحمل الملابس المعلقة على المشاجب أثر أجساد غادرتها الحياة ولكن أثرها ظل  عالقا في القماش، وفي الطيّات، وفي الخيوط المرتخية، وفي الأزرار التي أُغلقت ذات مشهد وارتبكت في آخر.

منذ العتبة الأولى لمعرض “أزياء على الخشبة: ذاكرة السينما التونسية”، يتبدّد ذلك الفاصل المألوف بين التقني والجمالي.

وما انتقاه المصمم صالح بركة، بمعية ريم عباس، لا يظهر كأرشيف جامد، بل ينبض بحياة ثانية تحمل صدى الدور الذي سكنها.

فالقماش هنا ليس شيئا، بل ذاكرة ملموسة، يحتفظ بأثر الجسد الذي مرّ عليه، بارتعاشه، بثقله، بانكساراته الصغيرة التي لا تراها الكاميرا دائما، لكنها تظلّ محفورة في النسيج.

في هذا المسار الموازي الذي فتحه المهرجان، تتحوّل الأزياء إلى لغة أخرى للسينما، لغة مرئية ومحسوسة.

بين خيط وإبرة، بين زرٍّ يكاد ينفلت، وثوبٍ يستعيد وقفة جسد، يتشكّل أرشيف بديل، أكثر حميمية من الصورة ذاتها، فهذا الأرشيف يوثّق ويؤوي الأثر.

من مرّ من هنا؟ من سكن هذا الفستان؟ وأيّ حكاية تُركت معلّقة بين بطانته وخيوطه؟ تتفرع الأسئلة وتأتي بعض الأجوبة في مقتطفات الأفلام التي تتواتر على الشاشات في المعرض.

وفي زاوية من المعرض، تستعيد أزياء “صمت القصور” لمفيدة التلاتلي تلك الذاكرة النسوية المكسورة والمقاوِمة في الآن ذاته. لا تبدو القطع مجرد ملابس مرحلة تاريخية، بل امتدادًا لأجساد نساء عشن في الظلّ، وتمرّدن في الصمت.

وعلى مقربة، تنفتح أزياء “خشخاش” لسلمى بكار على توتّرات أخرى، حيث يصبح الجسد ساحة تفاوض دائم مع المجتمع والسلطة. الأقمشة أكثر حدّة، الخطوط أكثر توتّرًا، وكأن الملابس نفسها تعيش صراعًا بين ما يُراد لها أن تكونه وما تحاول أن تقوله.

هنا، لا تكسو الأزياء الشخصيات فقط، بل تفضحها، تكشف هشاشتها، وتُعلن عن ارتباكها

غير أنّ أكثر ما يلفت في هذا المعرض هو كيفية العرض فالسينوغرافيا التي صمّمها مالك قناوي لا تكتفي بوضع الأزياء في فضاء، بل تخلق مسارًا حسّيًا يجعل الزائر جزءًا من التجربة.

وأنت لا تمشي بين القطع كمتفرّج، بل تعبر داخلها، كأنك تدخل ذاكرة لا تخصّك تماما، لكنها تمسك بك وتتجاور الفساتين، وتتقاطع، وتتباعد، ثم تعود لتلتقي، في سردية غير خطيّة تُشبه عمل الذاكرة حين تستدعي صورها، متقطّعة، ومشوّشة أحيانا، لكنها مشبعة بالإحساس.

هناك، وسط هذا النسيج المتشابك من الحكايات، تظهر كمنجة هند صبري في “موسم الرجال”، لا كأداة موسيقية فحسب، بل كامتداد لجسد الشخصية التي تمسكها في الشاشة.

وغير بعيد، يلوح  تصميم  الفاضل الجزيري في “ثلاثون” (2008) مكون من صدرية نحاسية وتنورة بقطع من الأقمشة الملونة، هو أثر مسرحي وسينمائي في آن، يحمل بصمة رؤية كاملة للعالم، حيث يصبح اللباس جزءًا من العرض، لا مكمّلًا له.

التفاصيل الصغيرة هنا تكتسب كثافة غير متوقعة أزرار متناثرة ، وخيوطٌ بارزة، وحواف موشحة بعلامات الزمن لتتحوّل إلى شواهد على سنين مرّت، وعلى لحظات عاشت ثم سكنت ثم انتفضت من جديد.

وفي كل التفاصيل يهمس المعرض بأن السينما   لا تُحفظ فقط في الصور والأشرطة، بل أيضًا في هذه البقايا الصامتة التي تحمل، رغم سكونها، سيلاً من الحكي.

ومن المحطات الطريفة في المعرض، المقاربة التشاركية التي يقترحها على الزوار إذ يتيح لهم وضع بصمتهم على فستان أبيض فيشارك الكل في تزيين ثناياه بالأقمشة والأزرار.

في دار المدّب، لا تنتهي الزيارة عند آخر قطعة من الذاكرة  بل تستمرّ خارج الجدران عبر ذلك الأثر الذي يخلفه الإحساس بأن الأجساد، حتى بعد غيابها، تظلّ تبحث عن شكلٍ آخر لتبقى. والقماش، في هذا المعنى، ليس سوى وسيط لذاكرة عنيدة، ترفض أن تُمحى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى