في المركب الثقافي محمد الباردي بقابس، تتجاوز عروض الواقع الممتد الجانب التقني لتشكل عتبة حسّية يعبرها الزائر نحو تجربة تُعيد ترتيب علاقته بالصورة وبجسده داخلها.
هنا، في فضاء يحمل بدوره طبقات من الذاكرة الثقافية، يتجاور الماضي مع أكثر أشكال التعبير الرقمي راهنية، فتتلاشى الحدود بين ما هو مادي وما هو افتراضي، ويتحوّل المكان إلى ما يشبه مختبرًا حيًا للإدراك.
منذ اللحظة الأولى، يلفت الانتباه ذلك الترتيب الدقيق للتجربة : نظارات XR مصطفّة، وسماعات رأس مخصّصة تعزل الضجيج الخارجي وتدفع بالمشارك إلى داخل عوالم موازية.
ليست مجرد أدوات، بل مفاتيح عبور وما إن يضعها الزائر حتى ينفصل تدريجيا عن محيطه، لا يغادره كليا ولكنه يراه من زاوية أخرى، أكثر التباسا وعمقا.
في هذا الفضاء، لا يتلقى الجسد الصورة وهو ساكن، بل يصبح جزءا من السرد عبر حركات تراوح بين التفاتات الرأس وخطوات في جميع الاتجاهات وامتداد الأيادي في منطقة وسطى بين المادي والافتراضي.
الجمهور، بمختلف فئاته، يدخل هذه التجارب بشيء من الفضول ثم ما يلبث أن ينخرط تدريجيا على نسق تماهٍ واضح بين الجسد والآلة.
وبينما تختبر الذوات حضورها بطريقة مختلفة، تتبدّل التعابير بين دهشة صامتة، وابتسامات خفيفة، وأحيانا ارتباك، وأحيانا أخرى انغماس كامل يصل حدّ نسيان المكان.
هذا التفاعل لا ينحصر في الانبهار، بل يتجاوز ذلك نحو نوع من التواطؤ الحسي مع العمل، حيث يصبح المشاهد مشاركا فعليا في إنتاج المعنى.
تجربة “الثامنة مساءً والقطة” لمينهوك تشي تخلق هذا التواطؤ منذ لحظاتها الأولى، داخل فضاء يبدو بسيطًا، تتكرّر اللحظة الزمنية كندبة مفتوحة، ويجد المتلقي نفسه داخل دائرة الحداد، لا يتابع فقط ولكنه يحمل الثقل العاطفي.
أما “السحب على ارتفاع ألفي متر” لسينغ تشين، فتأخذ الجمهور في رحلة أكثر هدوءًا وتأملًا. الحركة داخل التجربة بطيئة، شبه طقسية، ما يدفع المتلقي إلى إعادة ضبط إيقاعه الداخلي.
هنا، ينسحب الضجيج الخارجي تمامًا، وتصبح الذاكرة بما تحمله من فقدان وأمل، المحرّك الأساسي للتجربة.
في “العين وأنا” لجان ميشال جار وهسين تشينغ هوانغ، يتغيّر هذا الإيقاع فالفضاء أكثر توترًا، مبني على فكرة المراقبة الدائمة إذ يشعر المشارك بأنه مرصود، حتى وهو يراقب.
هذا التداخل بين الفاعل والموضوع يخلق حالة من القلق الواعي، حيث تصبح كل حركة محمّلة بمعنى، ويتردد بعض الزوار في التقدّم، وكأنهم يختبرون حدود حريتهم داخل هذا النظام البصري.
على النقيض، تأتي “القصة الحزينة للفأرة الصغيرة التي أرادت أن تصبح شخصًا مهمًا” بنبرة ساخرة تخفّف من حدّة التجارب السابقة، لكنها لا تقل عمقا.
الضحك هنا ليس بريئا تماما؛ إنه يكشف تدريجيا عن قسوة عالم يُقاس فيه النجاح بمعايير مجردة من الإنسانية. والتفاعل مع هذا العمل يتسم بخفة ظاهرية، لكن أثره يتسلل لاحقًا.
وفي “بيت الدمى”، تتكثّف العلاقة بين اللعب والسلطة ويجد المشاركون أنفسهم أمام خيارات أخلاقية، لا يمكن التهرّب منها. ويصبح التردد في اتخاذ القرار جزءًا من التجربة، ويكشف عن مدى انخراط المتلقي فيها.
أما “تحت السماء” لجريمي غريفو، فيعيد التوازن عبر تجربة بصرية شاعرية، حيث تتحوّل الطبيعة إلى فضاء دائري يحتضن المتلقي. الحركة داخل هذا العالم أقرب إلى التحليق، والإحساس العام يميل إلى الصفاء، رغم ما يحمله العمل من تأمل في هشاشة العالم.
ما يميّز هذه التجارب مجتمعة، ليس فقط تنوّعها الجمالي أو الموضوعي، بل قدرتها على إعادة تعريف موقع المشاهد.
وفي المركب الثقافي محمد الباردي، لا يجلس الجمهور في صفوف متراصة أمام شاشة، بل يتحرّك داخل فضاءات، يختار مسارات، ويتحمّل مسؤولية نظره، في قطيعة مع التلقي السلبي، وبداية لعلاقة أكثر تعقيدا مع الصورة.
زر الذهاب إلى الأعلى