أشرف العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، بحضور نائبيه سوسن مبروك و أنور المرزوقي، اليوم الثلاثاء 30 جوان 2026، على جلسة موحّدة خُصّصت للاستماع إلى سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط والوفد المرافق له، وذلك في إطار الانطلاق الرسمي لمناقشة مشروع مخطط التنمية للفترة 2026-2030، إثر استكمال اللجان القارة جلساتها التمهيدية التي خُصّصت لدراسة مختلف محاور المشروع والمسائل ذات الصلة بمجالات اختصاصها.
وفي مستهلّ الجلسة، القى رئيس مجلس نواب الشعب كلمة اكّد فيها أنّ مناقشة مشروع مخطّط التنمية للفترة 2026-2030 تمثّل استحقاقًا وطنيًا ومحطّة مفصلية في رسم السياسات العمومية للدولة، مبيّنًا أنّ دراسة المجلس لهذا المشروع تندرج في إطار مقتضيات دستور 25 جويلية 2022 الذي أولى التخطيط مكانة محورية وجعله من أبرز الاختصاصات المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
وأوضح أنّ هذا المخطط يُعدّ الأول الذي أُنجز وفق مقاربة تصاعدية انطلقت من المستوى المحلي، مرورًا بالمستوى الجهوي والإقليمي، وصولًا إلى المستوى الوطني، بما يعكس تطلعات المواطنين ويكرّس مقاربة تشاركية في إعداد السياسات التنموية. كما نوّه بالدور الذي اضطلعت به اللجان القارة في تهيئة ظروف مناقشة المشروع، من خلال جلساتها التمهيدية التي أسهمت في تعميق النقاش وإثراء محتوى المخطط.
وشدّد رئيس المجلس على أنّ نجاح هذا المشروع الوطني يقتضي اعتماد رؤية استراتيجية متكاملة ترتكز على تعزيز البعد الاجتماعي للتنمية، ودفع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، وتحقيق السيادة الغذائية والطاقية والمائية، وتطوير البنية التحتية، ودعم التنمية الجهوية، إلى جانب تحديث الإدارة عبر الرقمنة والحوكمة وتبسيط الإجراءات. كما أكد أنّ دور مجلس نواب الشعب لن يقتصر على مناقشة المخطط والمصادقة عليه، بل سيمتد إلى متابعة تنفيذه وتقييم نتائجه في إطار دوره الرقابي.
من جانبه، قدّم السيد سمير عبد الحفيظ، وزير الاقتصاد والتخطيط، عرضًا تناول مختلف مراحل إعداد مشروع مخطط التنمية 2026-2030، والأسس الدستورية والقانونية والمنهجية التي استند إليها، إلى جانب أبرز توجهاته الاستراتيجية، ومحاوره التنموية، ومشاريعه الاستثمارية، وآليات تمويله وتنفيذه.
وبيّن الوزير انّ انخراط المجلس في هذا المسار من شأنه أن يساهم في إثراء المشروع وإنجاح مراحل مناقشته والمصادقة عليه. واعتبر أن الجلسات البرلمانية تمثل فضاءً للحوار البنّاء وتبادل الآراء. كما شدّد على أن الأهداف التي يتضمنها مخطط التنمية للفترة 2026-2030 تعتبر أهدافا واقعية وقابلة للإنجاز، غير أن بلوغها يظل رهين تعبئة جهود جميع مكونات الدولة ومؤسساتها الدستورية ومختلف الفاعلين، فضلا عن انخراط المواطنين، بما يضمن تحقيق الأهداف التنموية المنشودة.
واستعرض وزير الاقتصاد والتخطيط الإطار المرجعي لإعداد مشروع مخطط التنمية، مبيّنًا أنه يستند إلى جملة من المرتكزات الدستورية والقانونية والتنظيمية التي تؤطر مسار التخطيط التنموي. كما قدّم لمحة عن مختلف مراحل إعداد المخطط، التي اعتمدت مقاربة تشاركية شملت تنظيم ورشات تدريبية وملتقيات محلية وجهوية، إلى جانب جلسات التأليف والتنسيق بين مختلف الهياكل والإدارات المعنية، بما أسهم في بلورة المشروع في صيغته الحالية.
وبيّن الوزير أنّ إعداد المخطط اعتمد مقاربة تشاركية غير مسبوقة، شملت تنظيم ورشات تدريبية وملتقيات محلية وجهوية وإقليمية، وصياغة مشاريع تنموية انطلقت من حاجيات الجهات، مؤكّدًا أنّ المشروع يرتكز على جملة من الثوابت الوطنية، من أبرزها تعزيز السيادة الوطنية، والتعويل على الذات، وتكريس الدور الاجتماعي للدولة، وتحقيق تنمية عادلة وشاملة.
وأفاد السيد سمير عبد الحفيظ انّ أبرز التوجهات التنموية والأهداف التفصيلية لمشروع مخطط التنمية، تتمثّل أساسًا في تحقيق تنمية مجالية متوازنة، إلى جانب تعصير النسيج الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الأمن الطاقي والمائي والغذائي، وكذلك الحفاظ على بيئة سليمة، فضلا عن تحديث الإطار المؤسساتي، وتكريس نجاعة المرفق العمومي، لضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة. كما استعرض أهم الإجراءات وآليات التنفيذ والمشاريع المبرمجة الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.
وقدم الوزير، في هذا الإطار، جملة من الإحصائيات والمؤشرات المتعلقة بالمشاريع المقترحة من المجالس المنتخبة، والتي بلغ عددها الجملي 40748 مشروعًا، موزعة بين مشاريع مقدمة من المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، وتتوزع بدورها على الأقاليم الخمسة.
كما استعرض منهجية معالجة محفظة المشاريع، التي أُنجزت على مستوى وزارة الاقتصاد والتخطيط بالشراكة مع وزارة المالية والوزارات القطاعية المعنية، موضحًا أن المشاريع التنموية تندرج ضمن برامج التنمية الجهوية وبرامج التنمية المندمجة. وأشار إلى أن نتائج هذه العملية أفضت إلى حصر 6467 مشروعًا متواصلًا و14624 مشروعًا جديدًا، مبيّنًا أن تمويل هذه المشاريع سيتم عبر ميزانية الدولة والمؤسسات العمومية وآليات الشراكة.
وخلال النقاش العام، تطرق النواب إلى جملة من الملاحظات والنقائص التي تضمنها المخطط، مؤكدين أهمية تعزيز نجاعته وضمان حسن تنفيذه. وفي هذا السياق، أثار النواب تساؤلات بشأن قائمة المشاريع المدرجة بالمخطط، ومدى اعتبارها مشاريع جديدة أو امتدادًا لمشاريع سابقة، وذلك في إطار الدور الرقابي لمجلس نواب الشعب ومتابعته لتنفيذ المشاريع العمومية.
وتمت الإشارة إلى أن أغلب المشاريع الواردة بالمخطط تكتسي طابعًا استهلاكيًا، في مقابل غياب مشاريع وطنية كبرى قادرة على إحداث نقلة نوعية في التنمية، وهو ما يستوجب عقد جلسات عمل موسعة لبلورة مشاريع استراتيجية تستجيب لتطلعات البلاد.
كما سجّل عدد من النواب غياب أو محدودية إدراج عدد من المشاريع التنموية ذات الأولوية في دوائرهم الانتخابية، رغم أهميتها في معالجة الإشكاليات التنموية التي تعانيها تلك الجهات. وأكّدوا ضرورة مزيد الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات مختلف المناطق واحتياجاتها الفعلية، بما يضمن تحقيق تنمية متوازنة وعادلة بين الجهات، ويكرّس مبدأ الإنصاف في توزيع المشاريع العمومية والاستثمارات، بما يستجيب لتطلعات المواطنين ويساهم في الحدّ من الفوارق التنموية.
وأكد النواب أن نجاح المخطط لا يرتبط فقط بإعداد البرامج، وإنما أيضًا بحسن التنفيذ، وهو ما يقتضي إدارة حكيمة وفعالة. وشددوا على ضرورة تقييم الإخفاقات التي شابت مخططات التنمية السابقة وتداركها، حتى لا تتكرر نسب الإنجاز المحدودة التي لم تتجاوز 40 بالمائة في المخطط السابق.
كما لاحظ النواب أن المخطط لم يقدم تفاصيل كافية حول البرامج الموجهة مباشرة لتحسين حياة المواطن، داعين إلى تحديد الاعتمادات المالية بدقة بما يضمن معالجة الإشكاليات المطروحة وتحقيق الأهداف المرسومة.
وأشار المتدخلون كذلك إلى غياب الربط بين الأهداف والموارد، وعدم التعرّض لسبل تعبئة موارد الدولة الكفيلة بتمويل مختلف البرامج والمشاريع، إلى جانب غياب مؤشرات دقيقة لقياس الأداء ومتابعة تنفيذ المخطط وتقييم نتائجه.
وفي السياق ذاته، أكد النواب ضرورة التسريع في تنفيذ الإصلاحات الإدارية وإصدار النصوص القانونية الأساسية، ومن بينها مجلة الصرف، لما لها من دور في تحسين مناخ الاستثمار ودفع النشاط الاقتصادي. كما سجل النواب أن المخطط لم يبين بوضوح مصادر تمويل الاعتمادات الجديدة وانعكاساتها على ميزانية الدولة، وهو ما يستوجب مزيدًا من التوضيح لضمان واقعية المخطط وقابليته للتنفيذ.
وفي رده على تدخلات النواب، أوضح وزير الاقتصاد والتخطيط السيد سمير عبد الحفيظ أنّ مخطط التنمية هو بالأساس وثيقة استراتيجية تحدّد التوجهات الكبرى للدولة، وأنّ المشاريع تمثل جزءا من هذا المخطط الذي تم بناؤه انطلاقا مما عبّرت عنه المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، إلى جانب الاستراتيجيات القطاعية المعتمدة. وأكد أنّ جميع الجهات معنية بالتنمية، غير أنّ الإكراهات المالية للدولة تفرض ترتيب الأولويات، بما يجعل من المتعذّر الاستجابة إلى جميع التطلعات في الفترة نفسها.
وأشار في سياق متصل إلى انّ المشاريع التي تم اعتمادها خضعت لمعايير موضوعية دون أي محاباة بين الجهات، مبرزا أنّ وثيقة المخطط لا يمكن أن تتضمن جميع المشاريع بالتفصيل، إذ سيتم لاحقا استكمال برمجتها ومتابعة إنجازها، مع مواصلة تنفيذ المشاريع المتواصلة والانطلاق في مشاريع جديدة.
كما بين الوزير أنّ المخطط يتضمن أهدافا ومؤشرات كمية ونوعية لقياس مدى التقدم في تنفيذه، مؤكدا أنّ تمويله سيعتمد على ميزانية الدولة و المؤسسات العمومية والشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى التمويلات الخارجية.
وأفاد بأنّ المشاريع المبرمجة للفترة 2026-2030 تحظى بمتابعة من وزارة المالية، وأنّ الاعتمادات المرصودة حاليا تناهز 25 مليار دينار، إلى جانب استكمال التفاوض بشأن تمويلات إضافية بقيمة 5.5 مليار دينار.
وأكد الوزير أنّ الحكومة ستواصل العمل على تعبئة الموارد المالية الضرورية، مبرزا أنّ اللجوء إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص يخضع لضوابط تراعي الحفاظ على سيادة الدولة، خاصة في المشاريع ذات الطابع السيادي.
كما شدّد على أنّ مسؤولية الوظيفتين التنفيذية والتشريعية تقتضي المحافظة على وحدة الدولة وضمان تمتع مختلف الجهات بحقها في التنمية داعيا مجلس نواب الشعب إلى مواصلة الإسهام في إنجاح مخطط التنمية، سواء من خلال اقتراح المشاريع والنصوص التشريعية أو عبر ممارسة دوره الرقابي بما يدعم تنفيذ المشاريع وتحقيق أهداف المخطط.
هذا ورفعت الجلسة على ان تستأنف يوم غد الأربعاء غرة جويلية 2026 بداية من العاشرة صباحا لمواصلة النظر في مشروع مخطط التنمية 2026-2030.