Centered Iframe
Centered Iframe
ثقافة وفنون

كوثر الذوادي حين تقرر نجمة السينما التغريد خارج القطيع

بينما يصر النجوم على قضاء الصيف في سباق التواجد تحت أضواء الفلاشات، تجد كوثر الذوادي في هذا الفصل “فريضة استراحة المحاربة”. هي لا تهرب، بل تتوارى خلف ستارة الغموض لتستعيد توازنها. تطوي أوراق السيناريو وتضعها في قاع البروز، لتعود إلى ضجيج الحياة الحقيقي بعيداً عن صخب الكاميرات.

في أجندتها الصيفية، لا مكان للمواعيد؛ بل هي طقوس من الهدوء تبدأ بملامسة مياه البحر التي تغسل تعب الأضواء، حيث تمنح نفسها فرصة للإنصات لصوت الموج، مرافقةً بكتبٍ تختارها بعناية لتكون أنيسها في ساعات الاسترخاء، إذ تتقن كوثر في الصيف فن “الحياة ببطء” بعيداً عن صراعات التمثيل، متألقةً بملابسها الصيفية التي تعكس روعة الموسم وجماله.

خارطة الأثر.. أين ذهبت الحسابات؟

في عالم الدراما الذي تتقاسمه الصراعات، تطل علينا كوثر الذوادي كأنها مدرسة في التمرد الهادئ. هي خريجة المعهد العالي لعلوم التصرف، أي أنها دخلت سوق الفن وهي تتقن لغة الأرقام، لكنها قررت أن تضع حسابات العقل جانباً لتستبدلها بشطحات الروح. سجلها الفني ليس مجرد أرشيف، بل هو محفظة استثمارية عاطفية؛ استثمرت فيها في نصوص ترهق الروح، من “فلوجة” إلى “السرايا” و”مشاعر”، وصولاً إلى تجربتها مع المخرجة إيمان بن حسين. كوثر لا تمثل، بل تفتح ميزانية الشخصية وتتعامل مع كل نص بأداة تنقيب دقيقة، لتعري أعماق الشخصية بملامح من حديد الحقيقة، وكأنها تعيد خلقها من رفات الكلمات لا لتجميل السطح، بل لاستئصال الزيف.

الصدق والتقمص.. اعترافات الراهبة

تؤمن كوثر أن التمثيل محراب لا يدخله إلا الصادقون؛ ترى أن التقمص ليس رداءً يستعار، بل هو حالة انتحار مؤقت للأنا كي تمنح جسدها وروحها قرباناً لتلك الشخصيات التي تسكنها وتنهش في هدوئها. تقول، ساخرة من سطحية السوق: “كيف أؤدي دوراً لم أعشه في خيالي؟”. التمثيل ليس وظيفة تنتهي بخروجك من مكان التصوير، بل هو آثار خالدة تتركها كل شخصية في ذاكرتك. هي لا تنطق الحوار، بل تقطره من مرارة التجربة لتجعل من كل جملة أثراً لا يمحوه الزمن.

جمال يصفع المنطق البصري

في زمن صار فيه الوجه مختبراً للتجارب، تطل كوثر بوجهها الذي يرفض التدليس. هي تمتلك وجهاً هو أشبه بمخطوطة قديمة؛ كل خط فيه يروي حكاية، وكل أثر ضوئي في ملامحها يحمل إرثاً من الانفعالات التي لم تلوثها مساحيق التزييف. جمالها هو جمال الحقيقة، ذلك الجمال الذي يجعل مساحيق التجميل تبدو إهانة للعين. هي ترفض أن تحول وجهها إلى ساحة للتجارب البصرية، فتختار في إطلالاتها الصيفية البساطة الممزوجة بالأناقة؛ ملابس صيفية خفيفة تتماهى مع زرقة البحر ووهج الشمس، لتؤكد أن الجمال هو الوجه الذي يمنحنا الحق في الحزن وفي التعب وفي أن نكون بشراً، لا دمى من صفيح.

 ختاماً.. حين يتصالح المنطق مع الهذيان

كوثر الذوادي لغز يجمع بين جدول الضرب وقصائد النثر. سيدة تتفرد بذوقها الخاص، تتحول في موقع التصوير إلى وحش أداء يلتهم النص ليحوله إلى جوهرة. في المحصلة، هي معادلة حسابية مستعصية على الحل؛ رقم صحيح في عقلها، وقصيدة غامضة في روحها. فنانة قررت أن تبقى الاستثناء في قاعدة درامية كادت أن تغرق في الرداءة، لتظل في النهاية كوثر التي لا تشبه أحداً.

التمثيل ليس مهنة للأقنعة، بل هو رحلة للبحث عن الإنسان الذي نسيناه في زحمة الحياة. إنها جميلة، وجمالها يفوق حدود الجغرافيا، ولطيفة، ولطفها يعبر القارات، وساحرة، وسحرها يملأ الوجود كأنهار كوثر في جنة الفنون.

عزيز بن جميع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى