الأندلس ترقص على خشبة قرطاج:
في واحدة من أكثر سهرات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي تميزًا، احتضن المسرح الأثري بقرطاج، مساء الخميس 30 جويلية 2026، عرض «Tierra Bendita» الذي قدّمه باليه الفلامنكو الأندلسي، في تعاون بين سفارة إسبانيا بتونس ومهرجان قرطاج الدولي، ليمنح الجمهور رحلة فنية آسرة إلى قلب الأندلس، حيث تتحول الموسيقى والحركة إلى لغة عالمية تتجاوز الكلمات.
لوحات تنبض بالهوية الإسبانية:
منذ اللحظات الأولى، فرض العرض حضوره البصري والإيقاعي، فامتزجت قوة الرقص بعذوبة الموسيقى في لوحات احتفت بالهوية الأندلسية وبجمال الفلامنكو، أحد أبرز الرموز الثقافية الإسبانية وأكثرها انتشارًا في العالم، فكان العرض بمثابة سردية إنسانية نابضة بالحياة، تستحضر التاريخ والذاكرة والمشاعر عبر لغة الجسد.
حين تتحدث الأقدام بلغة الموسيقى:
على خشبة المسرح، دوّت ضربات الأقدام بإيقاعات تقنية “الثاباتيادو” الشهيرة، لتتحول إلى نبض يحاكي قصص الأندلس والموريسكيين، بينما رسمت الأيدي والتصفيق وحركات الأجساد مشاهد مفعمة بالقوة والأنوثة والشغف ، كل حركة بدت وكأنها صفحة من تاريخ طويل، وكل إيقاع حمل في داخله حكاية عشق أو فراق أو مقاومة.
تنوع يختزل روح الفلامنكو:
وقدّمت الفرقة باقة من أشهر أنماط الفلامنكو، من بينها “سوليا” ذات الإيقاعات الهادئة والتأملية، و”أليغرياس” التي أضفت بألوانها الزاهية وحيويتها أجواء احتفالية أسرت الحضور، إلى جانب لوحات مستوحاة من “تانغوس فلامنكو” التي مزجت بين الموسيقى والرقص في مشهد يعكس عمق هذا الفن وتنوعه.
“باتريسيا غيريرو”: إبداع يصنع الدهشة:
كما أبدعت مصممة الرقصات باتريسيا غيريرو في توظيف آلة الكاستانيات، لتخلق حوارًا متناغمًا بين الصوت والحركة، حيث انسجمت نقرات الآلة مع خطوات الراقصين في مشاهد اتسمت بالدقة والإبداع.
تصفيق حار يختتم ليلة إسبانية ساحرة:
بلغت السهرة ذروتها في اللوحة الختامية التي ارتدى فيها الراقصون اللون الأسود، وسط أجواء درامية مؤثرة جسّدت معاناة الإنسان وأشواقه، فحبست الأنفاس وأعقبتها موجة تصفيق حارة من جمهور قرطاج الذي ظل يتابع العرض بإعجاب حتى لحظاته الأخيرة.
الفلامنكو: ذاكرة تتجدد بالحركة:
وجاء اختيار هذا العرض احتفاءً بثراء الثقافة الأندلسية وإعادة قراءة التراث الإسباني بلغة معاصرة تجمع بين الأصالة والتجديد، دون التفريط في روح الفلامنكو التي جعلت منه فنًا عالميًا.
ويُعد الفلامنكو أحد أبرز عناصر التراث الثقافي الإسباني، وقد أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) سنة 2010 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، تقديرًا لما يحمله من تعبيرات إنسانية تجمع بين الحزن والفرح، والألم والأمل، في مزيج فني فريد.
جسور ثقافية بين إسبانيا وتونس:
وبهذا العرض الاستثنائي، نجحت الفرقة الإسبانية في نقل جمهور قرطاج إلى فضاءات الأندلس الساحرة، مؤكدة أن الفلامنكو لغة إنسانية عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، وأن الموسيقى والحركة قادرتان دائمًا على بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات، في تجسيد حي للدور الذي تضطلع به الثقافة والفنون في تعزيز التقارب بين الشعوب.
نادرة الفرشيشي
زر الذهاب إلى الأعلى