عندما صدحت أولى نغمات الفادو على ركح الحمامات، بدا أن المسرح قد تخلى لساعتين تقريبا عن صخب العروض الكبرى لصالح فن يقوم على الإصغاء. هكذا كانت سهرة الفنانة البرتغالية “ماريزا” ضمن الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي، حيث قادت الجمهور، مساء السبت 1 أوت، في رحلة عبر عالم الفادو، مستندة إلى صوتها وإلى سينوغرافيا اختارت التقشف البصري وجعلت الضوء شريكا في سرد الحكاية.
لم تدخل ماريزا إلى الخشبة بحثا عن إبهار بصري. ظهرت في مقدمة المسرح بهدوء بينما تمركز أفراد الفرقة الموسيقية خلفها. وقد كان توزيع المشهد كافيا لفهم طبيعة العرض، فالصوت يحتل المركز فيما تتولى الآلات مرافقة الحكاية، ذلك أن الفادو لا يستعجل الوصول إلى ذروته. فهو يفضل أن يسير بخطى هادئة وأن يمنح الكلمات وقتها ويترك للصمت دوره بين جملة موسيقية وأخرى. وقد بدا ذلك واضحا منذ الأغنية الأولى “Estranha Forma de Vida” التي فتحت الباب أمام عالم يقوم على الحنين والانتظار والحب وهي المواضيع التي صنعت هوية هذا اللون الموسيقي البرتغالي منذ نشأته في أحياء لشبونة القديمة.
ولدت ماريزا في موزمبيق، لكنها نشأت في حي “مورايريا” التاريخي في لشبونة حيث ارتبط اسمه بالفادو منذ نشأته. هناك وسط المقاهي الشعبية وأصوات الغيتارات، تشكلت علاقتها بهذا الفن الذي يقوم على الغناء بقدر و على رواية الحكايات. ومع مرور السنوات، أصبحت واحدة من أبرز الأصوات التي حملت الفادو خارج البرتغال حتى غدت حفلاتها محطة ثابتة في كبرى المسارح العالمية محققة أكثر من 50 اسطوانة بلاتينية، إلى جانب ترشيحات لجوائز “غرامي” وعدد من الجوائز والتكريمات الدولية.
وفي عرضها على ركح الحمامات وقبل أن تواصل الغناء، حاولت “ماريزا” أن تخاطب الجمهور بالفرنسية. اعتذرت بابتسامة عن عدم إتقانها الجيد لهذه اللغة، فصفّق الحاضرون تشجيعا لها. رحبت بهم وقالت إن من دواعي سرورها أن تغني في “هذا المهرجان الرائع”، ثم انتقلت في الحديث باللغة الانقليزية لتقدم أغنية من ألبومها الجديد “Amor”. وأفادت أن القصيدة تتحدث عن الحب وقرأت منها جملة قصيرة ثم تركت الأغنية تكمل ما بدأته الكلمات.
كانت “ماريزا” تنتقل بسلاسة بين الهمس والامتداد الصوتي بثقة، وتفسح المجال للغيتارة البرتغالية كي تتحاور معها ،وفي كل مرة كانت الفواصل الموسيقية تبدو امتدادا للنص لا استراحة بين مقطعين.
ومن بين الأعمال التي قدمتها خلال السهرة، اختارت أن تجمع بين أغاني شكلت محطات بارزة في مسيرتها وأخرى من ألبومها الجديد، محافظة على خيط موسيقي واحد تدور محاوره حول الحب والغياب والحنين والبحر، وهي المفردات التي صنعت هوية الفادو هذا اللون الموسيقي الذي أدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو.
السينوغرافيا كانت في صلب هذه الفلسفة. فقد اختار العرض اقتصادا بصريا واضحا، إذ كان الضوء هو العنصر السينوغرافي الأبرز حيث هيمن اللون الأزرق على كامل العرض من الخلفية إلى أرضية المسرح ليمنح الفضاء هدوءا بصريا ينسجم مع طبيعة الفادو. ولم يكن حضور هذا اللون اعتباطيا، فهو يستدعي البحر الذي يحتل مكانة خاصة في المخيال البرتغالي كما يخفف من اتساع فضاء المسرح المفتوح فيجعل المشهد أكثر حميمية. وفي لحظات كثيرة، كانت “ماريزا” تظهر داخل دائرة ضوء ضيقة بينما تغرق الفرقة في عتمة خفيفة، ثم تتبدل الصورة مع الإضاءة الخلفية فتتحول المغنية إلى ظل يقف أمام هالة زرقاء.
ولم تكن اللغة البرتغالية عائقا بين “ماريزا” وجمهور الحمامات، فقد تابع الحاضرون العرض حتى نهايته بانتباه واهتمام كبيرين، فقد نقلت نبرة الصوت ما تعجز الكلمات عن شرحه.
ومع نهاية العرض، صفّق الجمهور طويلا لماريزا ومجموعتها الموسيقية التي قدمت صورة عن الفادو بوصفه تراثا حيا يتجدد مع كل عرض .
وتتواصل عروض الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي، مساء اليوم الأحد 2 أوت 2026 ، مع الفنان الإيطالي “ماريو بيوندي” الذي يعتبر أحد أبرز أصوات السول والجاز المعاصرة في أوروبا. ويأتي هذا الحفل ضمن جولة يحتفي من خلالها بمرور 20 سنة على صدور ألبومه الأول Handful of Soul” (2006)” الذي ضم أغنيته الشهيرة “This Is What You Are”. ويَعِد “بيوندي” جمهوره في الحمامات بأمسية تستحضر أبرز محطات بداياته الفنية وتمزج بين موسيقى السول والجاز وتستعيد التقاليد الموسيقية المتوسطية والعالمية.