Centered Iframe
أخبار وطنية

جيل المخدرات في تونس: بين الضياع والخطر القادم

 لم تعد المخدرات في تونس مجرّد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحوّلت إلى سرطان ينخر الجسد الشبابي جيلاً بعد جيل. الأخطر أن هذه الآفة لم تعد حكرًا على الذكور كما كان في الماضي، بل تسلّلت إلى صفوف الفتيات أيضًا، لتكشف عن عمق أزمة تعيشها البلاد، حيث بات شبابها بلا سند، وبلا أفق، وبلا حماية حقيقية.

الأسباب معلومة ومتعددة: بطالة خانقة وغياب أي أفق مهني يولّد شعورًا بالإحباط وفقدان المعنى، عائلات مفككة أو مشغولة لا تؤدي دور الحصن الواقي، ضغط الأقران والرغبة في إثبات الذات داخل المجموعات، وكلها عوامل تدفع نحو الانزلاق. لكن الأخطر من كل ذلك أن المخدرات اليوم سهلة المنال، متوفرة في الأحياء عبر شبكات ترويج صغيرة، تُباع بأسعار زهيدة حتى تحوّلت بعض المناطق إلى بؤر استهلاك علني، وسط غياب رقابة جدية وقصور المواجهة الأمنية. هذه السهولة جعلت المخدرات جزءًا من يوميات الشباب بدل أن تبقى استثناءً.

نتائج هذه الآفة كارثية: أجساد منهكة، عقول محطمة، شباب يضيع بين العنف والسرقة والانقطاع عن الدراسة، واقتصاد يخسر طاقات كان يمكن أن تكون محركًا للتنمية. أما القيم فتهتزّ، والمنظومة الأخلاقية تتآكل، والمجتمع يفقد تماسكه شيئًا فشيئًا.

ولئن كان هذا المشهد قاتمًا بما فيه الكفاية، فإن الأخطر ما ينتظرنا: دخول المخدرات الجديدة مثل الشابو أو الكريستال ميث. هذا السمّ القاتل لا يدمّر الجسد فقط، بل يحوّل المتعاطي إلى آلة عنف وجنون، ويدفعه إلى الانهيار الكامل في وقت وجيز. تجارب الدول التي سبقناها شاهدة: حيثما تسلّل الشابو، تبعته موجات انتحار وجريمة وانهيار اجتماعي شامل. إذا وصل هذا المخدر إلى تونس، فإننا أمام كارثة لا تُقارن بما نراه اليوم.

الحقيقة أن ما نعيشه اليوم ليس قدرًا، بل هو إرث ثقيل من مرحلة ما قبل 25 جويلية، حين انهارت الإدارة خلال العشرية السوداء، وتلاشى العمل الأمني بين مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ووجدنا أنفسنا أمام مسؤولين غير أكفاء في المنظومة الأمنية تركوا الشباب فريسة سهلة بين أيدي المروجين. النتيجة: أحياء كاملة تحوّلت إلى أسواق مفتوحة للمخدرات.

ولذلك، فإن العمل الأمني اليوم لا بد أن يكون مدروسًا بدقة، لا بردود فعل ارتجالية، مع تركيز حقيقي على النقاط السوداء على غرار الملاهي الليلية و”les lounges” وبعض الأحياء التي تحولت إلى مراكز لترويج السموم. لكن الأمن وحده لا يكفي. نحن أمام معركة وطنية شاملة: مدارس وجامعات يجب أن تتحول إلى فضاءات وقاية وتثقيف، مراكز علاج مجانية وفعّالة لإعادة تأهيل المدمنين بدل تركهم نهبًا للشارع، فرص عمل ومشاريع صغيرة تعطي للشباب أملًا حقيقيًا في الحياة، ثقافة وفن ورياضة تفتح بدائل صحية وجاذبة بعيدًا عن وهم النشوة الزائفة، وإعلام مسؤول يسلّط الضوء على حجم الكارثة بجرأة وصدق دون الاكتفاء بالترهيب.

أيها الشباب، أنتم مستقبل تونس الحقيقي، لا تسمحوا للمخدرات أن تسرق أحلامكم وحياتكم. أيها الأولياء، مسؤوليتكم عظيمة، كونوا السند الحقيقي لأولادكم، راقبوا حركتهم وكونوا قدوة صادقة في التربية والقيم. المجتمع كله مطالب باليقظة والتحرك، فكل لحظة صمت تضيع فرصة لإنقاذ جيل كامل. إنقاذ هذا الجيل ليس خيارًا بل واجب، فإما أن نتحرك جميعًا اليوم ـ دولة، مجتمع، عائلات، إعلام، مجتمع مدني ـ ونواجه خطر المخدرات التقليدية والمميتة الجديدة مثل الشابو، أو نترك جيلًا كاملًا ينهار أمام أعيننا، وستكون كلفته باهظة على تونس بأكملها، جسمًا وعقلًا واقتصادًا وقيمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى