«الحق في الصحة حقّ أساسي». عبارة واضحة ومبدئية لا يختلف حولها اثنان، لكنّ التحدّي الحقيقي في تونس لا يكمن في تكريس المبادئ بقدر ما يكمن في تحويلها إلى واقع ملموس يعيشه المواطن يوميًا. فبين النصّ الدستوري والواقع الميداني، لا يزال الفارق قائمًا ويطرح أكثر من سؤال حول مدى قدرة المنظومة الحالية على ضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى العلاج.
المجلس الوزاري المضيّق الذي أشرفت عليه رئيسة الحكومة ، وبمتابعة من رئيس الجمهورية ، يعكس إدراكًا رسميًا لحجم الإشكالات التي تتخبط فيها المنظومة الصحية ومنظومة الضمان الاجتماعي. فالمشاكل المطروحة — من نقص الأدوية إلى اضطراب التوزيع وتراجع نجاعة الحوكمة — لم تعد مجرّد إخلالات ظرفية، بل تحوّلت إلى عوائق بنيوية تؤثر مباشرة على مبدأ العدالة في الصحة.
ورغم أهمية التشخيص، فإن الرهان الحقيقي يبقى في مدى قدرة القرارات المعلنة على إحداث أثر فعلي على أرض الواقع. إذ لا يكفي إعلان النوايا ولا حتى ضبط الاستراتيجيات إذا لم تنعكس سريعًا على توفر الأدوية داخل المستشفيات والصيدليات، وعلى تقليص الفوارق بين الجهات في النفاذ إلى الخدمات الصحية.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن إصلاح منظومة معقّدة مثل المنظومة الصحية ومنظومة الحماية الاجتماعية هو مسار طويل بطبيعته، يتطلب تدرّجًا واستمرارية. غير أنّ هذا المعطى لا ينبغي أن يحجب وجود أولويات عاجلة لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها ضمان تزويد منتظم ومستقر بالأدوية، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي منظومة صحية فعالة.
وفي هذا الإطار، يبرز قرار دعم التمويل لفائدة وتكوين مخزون استراتيجي من الأدوية كخطوة ضرورية لمعالجة أحد أبرز مواطن الخلل. فاستمرارية التزويد ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي ركيزة من ركائز العدالة الصحية، إذ إن انقطاع الدواء يعني عمليًا انقطاع الحق في العلاج.
كما أن التوجه نحو رقمنة المنظومة وتعزيز آليات الرقابة والشفافية يمثل عنصرًا محوريًا في تحسين الحوكمة. فكلما كانت مسالك توزيع الأدوية أكثر وضوحًا وقابلية للتتبع، تقلّصت هامشية الاختلالات، وتقلّص معها التفاوت في الوصول إلى الخدمات. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بتطوير أدوات إدارية، بل بإرساء ثقافة جديدة في إدارة المرفق الصحي تقوم على النجاعة والمساءلة.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن الإشكال المرتبط بوجود منظومتين متوازيتين في النفاذ إلى العلاج: عمومية تعاني من ضغط الإمكانيات، وخاصة تستقطب من يملك القدرة المالية. هذا التمايز، وإن كان واقعًا قائمًا، فإنه يطرح تحديًا حقيقيًا أمام مبدأ المساواة، إذ يجعل من القدرة على الدفع عاملًا محددًا في الاستفادة من الحق في الصحة.
في المقابل، يكتسي دعم الإنتاج المحلي للأدوية أهمية استراتيجية متزايدة، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة. فتعزيز القدرة الوطنية على التصنيع لا يهدف إلى الانغلاق، بل إلى تقليص الهشاشة وضمان حدّ أدنى من الاستقلالية في تلبية الحاجيات الأساسية. وهو خيار يكتسي بعدًا اجتماعيًا بقدر ما هو اقتصادي، لأنه ينعكس مباشرة على استقرار التزويد وتوفّر الدواء بأسعار معقولة.
أما على مستوى التمويل، فإن الإكراهات المالية تبقى حاضرة، ولا يمكن تجاوزها بقرارات ظرفية. غير أن تحديد الأولويات يبقى عنصرًا حاسمًا في توجيه السياسات العمومية. فحين يُعتبر الحق في الصحة حقًا أساسيًا، فإن ذلك يستوجب توفير الموارد الكفيلة بضمانه، لا الاكتفاء بالتأكيد عليه كمبدأ عام.
وتظلّ منظومة الضمان الاجتماعي حلقة مركزية في هذا المسار، باعتبارها الأداة التي تترجم مبدأ التضامن إلى تغطية فعلية. غير أن استمرار بعض الإشكالات الهيكلية داخل الصناديق الاجتماعية يؤثر على قدرتها على القيام بدورها الكامل، مما يستدعي إصلاحًا عميقًا يعيد التوازن والاستدامة لهذه المنظومة.
في المحصلة، لا يمكن اختزال مسار الإصلاح في إجراءات معزولة، بل هو مسار شامل يتطلب انسجامًا بين مختلف المكونات: التمويل، الحوكمة، الرقمنة، الإنتاج، والتغطية الاجتماعية. وكل خلل في أحد هذه العناصر ينعكس بالضرورة على باقي المنظومة.
ويبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من مستوى التشخيص والقرارات إلى مستوى التنفيذ الفعلي، حيث تُقاس السياسات العمومية بقدرتها على تحسين حياة المواطن بشكل ملموس. فالمريض لا ينتظر التصريحات بقدر ما ينتظر دواءً متوفرًا، وخدمة صحية في متناوله، ونظامًا يضمن له حقه دون تمييز.
إن تكريس العدالة الصحية في تونس ليس خيارًا تقنيًا فقط، بل هو خيار مجتمعي يعكس طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وهو مسار لا يُقاس بسرعة إطلاقه بقدر ما يُقاس بمدى استمراريته ونجاعته في تحقيق المساواة الفعلية في الحق في العلاج.
الإمضاء:
عبد الوهاب بن موسى
زر الذهاب إلى الأعلى