قابس مدينة تنفتح على تخوم متعدّدة، الصحراء، الواحة، البحر، ولا تستقرّ على تعريف واحد، بل تتشكل من عبور دائم، ومن تحولات لا تهدأ، ولعل هذا ما يجعلها أرضا مثالية لاحتضان قسم الواقع الممتد (XR) ضمن مهرجان قابس سينما فن.
على أعتاب الواقع الممتد تتجاوز الصورة الفضاء المرئي لتتحول إلى فضاء حي يتحرك المشاهد في تفاصيله ويتخلى عن عينه المحايدة ويصبح جسدا منخرطا في التجربة الفنية.
في هذا القسم، الذي يتجسّد عبر منصة “Oasis XR”، لا تمثل التكنولوجيا أداة لاستعراض التطورات التي تمضي بسرعة بل تتحول إلى لغة شعرية قادرة على مساءلة زمننا ومخاوفه، وذاكرته، وهشاشته الجماعية.
في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتعقد فيه التوازنات الجيوسياسية، تفتح هذه التجارب الغامرة مساحات جديدة للتفكير، وللإحساس أيضا.
في مراوحة بين العقلاني والعاطفي تأتي هذه التجارب التي تتيح للجمهور أن يشعر بطريقة مختلفة، وأن يرى من زوايا لم تكن متاحة داخل إطار الشاشة التقليدية ليغدو الواقع الممتد مختبرا حسيا في قلب المهرجان، ومساحة يلتقي فيها السينمائي بالرقمي، والسردي بالمعماري، والفني بالبحثي.
الواقع الممتد يشكل انتقالا جذريا من الصورة التي تعرض وترى عبر وسيط إلى الصورة التي يسكن إليها المشاهد عبر أعمال تصوغ تعريفا جذريا للعلاقة مع الحكاية نفسها.
في تجربة “الثامنة مساءً والقطة” لمينهوك تشي (كوريا الجنوبية)، لا نتابع قصة فقدان من الخارج، بل ننغمس في ثناياها. تتكرّر الساعة الثامنة، لحظة عودة الحبيبة الغائبة، كجرح يومي مفتوح. وعبر توليد الصور والمونولوغات في الزمن الحقيقي، نصبح شركاء في حداد “هارو”، كأنّ الحزن نفسه يبعث من جديد أمام المشاهد وبه.
في “السحب على ارتفاع ألفي متر” لسينغ تشين (تايوان، ألمانيا)، تستمر الرحلة إلى الداخل على وقع خطوات رجل يبحث في أثر زوجته الراحلة، في روايتها غير المكتملة، في الأسطورة، في الغابة، في ذاته. والواقع الافتراضي هنا لا يخلق عالما بديلا، بل يكشف طبقات غير مرئية من الذاكرة، حيث يمتزج الشخصي بالأسطوري، والحزن بالرغبة في التعافي.
أما في “العين وأنا” لجان ميشال جار وهسين تشينغ هوانغ (فرنسا تايوان)، فإن التجربة تأخذ منحى أكثر فلسفية وقلقا. داخل فضاء مستوحى من “البانوبتيكون”، حيث يصبح الفرد واع بكونه موضوع مراقبة، من الرقابة الإلهية إلى الرقمية، يرسم العمل مسارا لتاريخ السيطرة، حيث تتقاطع التكنولوجيا بالسياسة، والجسد بالنظام، والحرية بالخضوع.
وفي منحى ساخر، تأتي “القصة الحزينة للفأرة الصغيرة التي أرادت أن تصبح شخصا مهما” لنيكولا بورنيكيه (فرنسا، ألمانيا، بلجيكيا) كمرآة لاذعة لعالم الشركات. عبر سرد يبدو طفوليا، تنكشف قسوة الطموح حين ينفصل عن إنسانيته، ولا يكتفي الواقع الافتراضي بخلق التعاطف بل يضع المشاهد في قلب منظومة نقدية.
وتتواصل هذه الحساسية في “بيت الدمى” لشارلوت برونو ودومينيك ديجاردان (لوكسمبورغ، كندا) ، حيث تتحوّل الذاكرة الطفولية إلى مساحة مساءلة أخلاقية. من خلال لعبة تبدو بريئة، تنكشف علاقات الهيمنة داخل الفضاء العائلي. التجربة لا تكتفي بالسرد، بل تدفعنا إلى اتخاذ موقف: هل سنساعد “جونيبر” على مواجهة ذنبها؟
أما “تحت السماء” لجريمي غريفو (فرنسا)، فيقودنا إلى تخوم التأمل، عالم دائري، 360 درجة من الطبيعة المتخيّلة، حيث تتداخل الكائنات والمناظر في تدفّق حلمي. العمل، المستلهم من روح شاغال، يتحوّل إلى مرثية بصرية لعالم يتآكل، وتأمل في هشاشة العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
ما يجمع هذه الأعمال، رغم تنوّعها، هو تفكيكها لموقع المشاهد إذ لم يعد أمام شاشة، بل داخل تجربة، لم يعد نرى فقط، بل يُرى، يتحرّك، يختار، يشعر. إنّها نقلة من التلقي إلى المشاركة، ومن المسافة إلى الانغماس.
في قابس، حيث تتجاور طبقات المكان كما تتجاور الأزمنة، يجد الواقع الممتد امتداده الطبيعي.
ومثل ما تعيش هذه المدينة نفسها على تقاطع العوالم، تأتي هذه الأعمال لتقترح عوالم أخرى، لا تلغي الواقع، بل تعيد صياغته.
ومن هذا المنطلق، لا تتضاد التكنولوجيا مع الإنسان ولا تقطع مع إنسانيته، بل تشكل وسيلة للعودة إليه، إلى هشاشته، إلى أسئلته الأولى، إلى حاجته الدائمة لأن يروي وأن يعيش ما يرويه.
زر الذهاب إلى الأعلى