Centered Iframe
أخبار وطنية

 خلف أسوار الخيال: حوار مع الكاتبة الجزائريّة بسمة عبدلي

جريدة الحرية التونسية تستضيف اليوم الكاتبة بسمة عبدلي (صاحبة المجموعة القصصية “قلعة الأساطير” وسلسلة “مغامرة في المملكة البيضاء”).

س1: أهلاً بكِ معنا. لندخل مباشرة إلى عالمكِ الساحر؛ كتابة الفانتازيا وبناء العوالم الموازية ليست بالأمر السهل، كيف ولدت فكرة “مغامرة في المملكة البيضاء”، وتحديداً الجزء الأول “سر اللوحة المفقودة”؟

* جواب الكاتبة: أهلاً بكم، ويسعدني جداً هذا الحوار. الفانتازيا بالنسبة هي متنفس وحرية من قيود الواقع، بل هي مرآة نرى فيها أنفسنا وزوايا قضايا الكائن البشري ولكن بملامح سحرية غامضة.

فكرة “المملكة البيضاء” ولدت من شغفي بالعوالم التي تجمع بين براءة الدهشة وعمق الأسرار. في “سر اللوحة المفقودة”، أردت أن يكون الفن هو مفتاح البوابة؛ فاللوحة هنا ليست مجرد جماد، بل هي جسر يربط بين واقعين، ومحرك أساسي لعالم مليء بالأعاجيب والخيال الذي يتحدى منطق الواقع ويفتح آفاقاً أرحب للقارئ.

س2: قبل السلسلة الروائية، كانت لكِ تجربة مميزة في أدب الخيال من خلال المجموعة القصصية “قلعة الأساطير”. كيف ساهمت القصص القصيرة في صقل موهبتكِ للانتقال إلى الرواية الطويلة؟

* جواب الكاتبة: “قلعة الأساطير” كانت بمثابة حجر الأساس والمختبر التجريبي لأفكاري. القصة القصيرة تتطلب تكثيفاً عالياً، وتركيزاً شديداً في رسم الحدث والمفاجأة. هذه التجربة علمتني كيف أمسك بزمام التشويق، وكيف أبني تفاصيل دقيقة دون إسهاب. وعندما انتقلت إلى كتابة الرواية، منحتني تلك الخبرة القدرة على التحكم في الأبعاد النفسية للشخصيات وإدارة الخطوط الدرامية المتشابكة لعالم ممتد كالمملكة البيضاء.

س3: نلاحظ في أسلوبكِ مزيجاً فريداً بين كلاسيكية الخيال وعمق بناء الشخصيات. ما الذي يلهمكِ أثناء الكتابة؟ ومن هم العرّابون الأدبيون لبسمة عبدلي؟ * جواب الكاتبة: الإلهام يأتيني من كل ما هو غامض ويحمل تاريخاً، كالحكايات الشعبية القديمة، الأساطير المنسية، والطبيعة الساحرة. أما أدبياً، فأنا متأثرة جداً بعرّابي الفانتازيا الملحمية العالمية الذين أقرأ لهم بشغف، وعلى رأسهم جيه. آر. آر. تولكين (J.R.R. Tolkien) في عمق بناء العوالم الأسطورية الممتدة، وجي. كيه. رولينغ (J.K. Rowling) في حبكة الأسرار، التشويق، وبناء التفاصيل، بالإضافة إلى تأثري بجماليات السرد واللغة في الأدب العربي الكلاسيكي. أنا أميل دائماً إلى المدارس التي تتقن “الأدب الرفيع” في الفانتازيا، حيث لا يكون السحر مجرد خدعة عابرة، بل جزء من نواميس الكون الإبداعي وله أبعاد فلسفية تلمس نفس القارئ.

س4: إلى جانب كونكِ كاتبة تغوص في عوالم الخيال، أنتِ أيضاً معلمة تصنع عقول الجيل القادم وتغرس فيهم حب المعرفة. كيف توازن بسمة الكاتبة وبسمة المعلمة بين هذين العالمين؟ وهل يؤثر أحدهما على الآخر؟

* جواب الكاتبة: في الحقيقة، هما وجهان لعملة واحدة؛ فالتعليم كتابة في عقول وتفاصيل جيل المستقبل، والكتابة هي تعليم وتوسيع لمدارك القراء. وجودي بين تلاميذي يمنحني طاقة متجددة، ويجعلني أرى العالم بعيون بريئة مليئة بالفضول والأسئلة، وهذا الفضول هو وقود الخيال. في المقابل، أستخدم شغفي بالقصص والخيال كوسائل تعليمية لتقريب المفاهيم وجعل الغرفة الصفية مكاناً ينبض بالحياة والإبداع.

س5: علمنا أنكِ تعملين حالياً على الجزء الثاني من روايتكِ. هل يمكن أن تكشفي لقرائكِ عن لمحة بسيطة مما ينتظرهم في المغامرة القادمة؟

* جواب الكاتبة: نعم، العمل مستمر على الجزء الثاني بكل حب وشغف. ما يمكنني قوله الآن هو أن الأبواب التي فُتحت في “سر اللوحة المفقودة” لن تُغلق بسهولة؛ المخاطر ستصبح أكبر، والأعاجيب ستزداد عمقاً وغموضاً. ستواجه الشخصيات اختبارات حقيقية لولائها وشجاعتها، وسنكتشف معاً زوايا جديدة وخفايا لم تكن ظاهرة في الجزء الأول من المملكة البيضاء.
س6: بناء العوالم ليس مجرد كلمات، بل هو أيضاً صور بصرية وتخطيط، اضافة الى اهتمامكِ بالتفاصيل الدقيقة في عوالمكِ. كيف تصفين هذه الرحلة الإبداعية؟ وما هو موقع “أدب الطفل” في مشروعكِ الأدبي؟
• جواب الكاتبة: عالم الفانتازيا لا يكتمل عندي إلا بتجسيده؛ لذا أقوم برسم خرائط العوالم الخاصة بي بنفسي، ففي تلك الخطوط والزوايا تتضح لي معالم الرحلة وتنتقل من خيالي إلى واقع ملموس. هذا الشغف بالتفاصيل ترجع جذوره الى مساري الأكاديمي، حيث درست اللغة والأدب العربي في الجامعة، وهو ما جعلني استطيع التمييز بين جماليات الأدب الكلاسيكي، والأدب الأجنبي، وتراثنا الغني في الأدب الشعبي.
أما عن أدب الطفل، فهو في نظري أسمى أنواع الأدب وأكثرها تحدياً؛ لأنك تخاطب عقولاً نقية وفطرة صادقة لا تقبل التزييف. الكتابة للطفل صعبة لأنها تتطلب مهارة فائقة في التبسيط دون المساس بعمق الفكرة، وهي مسؤولية كبيرة لأنك تشكل ذوقاً أدبياً وتغرس قيماً ، وهذا ما يجعلني أضع كل خبرتي الأكاديمية وشغفي بالخيال في خدمة هذا النوع الأدبي الذي أعتبره أرقى رسالة يمكن للكاتب أن يقدم.
س8″لكل رواية شرارة أولى، وجملة مفتاحية يفتح بها الكاتب بوابات عوالمه للقارئ. لو طلبنا منكِ أن تلخصي لنا الروح العامة لعملكِ الجديد، أو تقتبسي لنا من سطورها ما يضعنا في قلب الحكاية.. فماذا تقرأ ‘بسمة عبدلي’ لنا من روايتها؟”
جواب الكاتبة:
“روايتي تبدأ من اللحظة التي يولد فيها النور من رحم الظلام، ومن العتبة الأولى التي تعبر منها البطلة نحو قدرها. في مقدمة العمل أقول:
‘حلم مبتور، لفتاة صغيرة تنظر من نافذة الشوق.. تتطلعُ بشغف، وتهمسُ للقدر أن يشفق ويرفق بكيانها الضئيل. ومن هناك، من قلب الوجع، بدأت حكاية كارمن.’
حكاية ‘كارمن’ في عالم الفانتازيا والدراما هي حكاية كل إنسان واجه انكساراً وظن أنها النهاية، لتكشف لنا الأحداث كيف يتحدى الأملُ الألم، وكيف تصنع العزيمة من الوجع بداية جديدة في عالم عجيب يضج بالتحديات والدروس والمغامرات.

س 9: في ختام هذا اللقاء الممتع، هل من كلمة أخيرة تودين توجيهها لقرائك أو لـ “جريدة الحرية”؟

• جواب الكاتبة: في البدء، أتقدم بجزيل الشكر لـ “جريدة الحرية التونسية” على هذه الاستضافة الكريمة وهذا الاهتمام المميز بالأدب والفنون؛ فمثل هذه المنصات هي الرئة التي يتنفس من خلالها الكاتب ويصل عبرها إلى القلوب.

أما لقرائي الأعزاء، فإني أقول لهم: لا تتركوا صخب الحياة يطمس جوهركم النقي. “دع الطفل في داخلك يطلق العنان لخياله”، فهو البوصلة التي ستدلك على عوالم مدهشة، وهو القوة التي ستجعل من كل عقبة في حياتك بداية لمغامرة جديدة. القراءة والكتابة ليستا مجرد كلمات على ورق، بل هما رحلة مستمرة لاكتشاف الجمال الكامن في أرواحنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى