
عاد ملف مطار طينة الدولي إلى واجهة النقاش العام بصفاقس في ظل تزايد المطالب بإعادة تفعيل دوره الاقتصادي والتنموي، باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية القادرة على إحداث نقلة نوعية لفائدة الجهة وسكانها. غير أن الجدل الذي رافق بعض المبادرات واللقاءات الأخيرة المتعلقة بمستقبل المطار كشف عن حالة من التباين في الرؤى وطرح العديد من التساؤلات حول مدى احترام مبدأ التشاركية في معالجة القضايا المصيرية التي تهم مستقبل صفاقس.
ولا يخفى على أحد أن مطار طينة الدولي لم يعد مجرد منشأة للنقل الجوي، بل أصبح رمزاً لطموحات جهة بأكملها تسعى إلى استعادة مكانتها الاقتصادية وتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات وخلق مواطن الشغل ودعم المبادلات التجارية والانفتاح على الأسواق الخارجية. فبالنسبة للفلاح الذي يبحث عن أسواق جديدة لمنتجاته، ولرجل الأعمال الذي يسعى إلى تطوير أنشطته، وللطبيب الذي يطمح إلى استقطاب المرضى من الخارج، وللشاب الباحث عن فرصة عمل، يمثل المطار أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق هذه الأهداف.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مبادرة تتعلق بمستقبل هذا المرفق الحيوي تستوجب أوسع مشاركة ممكنة لمختلف الأطراف الفاعلة في الجهة، من هياكل اقتصادية ومهنية ومنظمات وطنية وجامعات ومؤسسات صحية وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني. فالمشاريع الكبرى لا يمكن أن تنجح إلا عندما تتحول إلى مشروع جماعي تتقاسم مختلف الأطراف مسؤولية الدفاع عنه والعمل من أجل تحقيقه.
وقد عبر عدد من المهتمين بالشأن الجهوي عن استغرابهم من غياب بعض المكونات الأساسية للنسيج الاقتصادي والاجتماعي عن بعض اللقاءات التي تناولت مستقبل المطار، معتبرين أن نجاح أي مسار يقتضي إشراك الجميع دون استثناء، خاصة وأن صفاقس تمتلك من الكفاءات والخبرات والطاقات ما يؤهلها لصياغة رؤية موحدة وقوية قادرة على إقناع السلط المركزية بضرورة التسريع في تطوير هذا المرفق الاستراتيجي.
كما يبرز ملف السياحة العلاجية كأحد أهم الرهانات المرتبطة بمستقبل مطار طينة الدولي. فقد تمكنت صفاقس خلال السنوات الماضية من بناء سمعة طيبة في المجال الصحي بفضل كفاءاتها الطبية ومؤسساتها الاستشفائية، وهو ما جعلها وجهة لعدد متزايد من المرضى القادمين من الخارج. غير أن تطوير هذا القطاع الواعد يظل رهين توفر منظومة متكاملة تشمل النقل الجوي والخدمات السياحية والبنية التحتية والاستقبال والتسويق، وهي عناصر يصعب تحقيقها في ظل غياب التنسيق الكامل بين مختلف المتدخلين.
ويرى مراقبون أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصدر عن صفاقس في هذه المرحلة هي رسالة وحدة وتماسك، لأن المستثمر أو الشريك الاقتصادي يبحث دائماً عن بيئة مستقرة وقادرة على توحيد جهودها حول المشاريع الكبرى. أما تعدد المبادرات وتشتت المواقف فقد يؤدي إلى إضعاف قوة الملف وإرباك الجهود المبذولة للدفاع عنه على المستوى الوطني.
وتبقى السلطة الجهوية مطالبة بمواصلة لعب دورها في تجميع مختلف الأطراف حول رؤية مشتركة تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتؤسس لمسار تشاركي حقيقي يضمن الاستماع إلى جميع المقترحات والاستفادة من مختلف الخبرات والكفاءات الموجودة بالجهة. فالتحديات التي تواجه صفاقس اليوم أكبر من أن تعالج بمنطق الإقصاء أو العمل المنفرد، وهي تحتاج إلى تعبئة جماعية شاملة تجعل من مطار طينة مشروعاً موحداً لكل أبناء الجهة.
إن مستقبل مطار طينة الدولي لا يتعلق بمؤسسة أو هيكل أو مجموعة بعينها، بل يرتبط بمستقبل جهة كاملة تتطلع إلى استعادة دورها الريادي في الاقتصاد الوطني. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير البنية التحتية للمطار أو استقطاب الرحلات الجوية، بل في قدرة مختلف الفاعلين على تجاوز الخلافات وتوحيد الجهود وصياغة خطاب واحد يدافع عن حق صفاقس المشروع في التنمية والاستثمار والانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي.
وفي النهاية، يبقى الأمل قائماً في أن يتحول هذا الملف من موضوع للخلاف والنقاش إلى عنوان للتوافق والعمل المشترك، لأن صفاقس في حاجة اليوم إلى مشاريع تجمع أبناءها أكثر مما تحتاج إلى مبادرات تفرقهم، ومطار طينة يمكن أن يكون أحد أبرز رموز هذا الإجماع إذا ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الموحدة لخدمة المصلحة العامة.





