– العربية.نت – تواجه أوروبا تدفقاً متزايداً للكوكايين، مع تحول المحيط الأطلسي إلى جبهة رئيسية في حربها على تجارة المخدرات. ففي قاعدة بحرية بجزيرة هولبولين جنوب شرقي مدينة كورك الإيرلندية، يراقب ضباط عبر شاشات متطورة مساحة شاسعة من المحيط بحثاً عن أي تحركات مشبوهة قد تشير إلى عمليات تهريب.
ويصف قائد عمليات الأسطول البحري الإيرلندي المهمة بأنها “البحث عن إبرة في كومة قش”، موضحاً أن رصد القوارب الصغيرة المستخدمة من قبل المهربين يعتمد على تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات المراقبة، وفق ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز”.
ورغم ذلك، تواجه البحرية الإيرلندية قيوداً كبيرة، إذ لا تستطيع تشغيل أكثر من ثلاث سفن من أصل ثماني سفن في وقت واحد بسبب نقص الطواقم وأعمال الصيانة، فيما تحتاج، وفق مسؤولين، إلى ما لا يقل عن 12 سفينة لتغطية المنطقة البحرية التي تمتد لنحو مليون كيلومتر مربع.
ومع تصاعد نشاط شبكات التهريب وتطور أساليبها، تؤكد الأمم المتحدة أن أوروبا أصبحت “الوجهة الرئيسية الجديدة” للكوكايين عالمياً، في وقت يخوض فيه المهربون والسلطات معركة متواصلة للسيطرة على طرق العبور البحرية.
فالمخدر الذي كان في السابق مرتبطاً بفئات محدودة من رواد الحفلات والأثرياء في أوروبا، أصبح اليوم منتشراً على نطاق واسع، مع تراجع متوسط أسعار بيعه في الشوارع بنسبة 18% بين عامي 2014 و2024، في وقت ارتفعت فيه درجة نقاوته بنسبة 44%، وفقاً لوكالة الاتحاد الأوروبي المعنية بالمخدرات.
ومع تشديد السلطات عمليات اعتراض الشحنات في الموانئ الرئيسية، لجأ مهربو المخدرات إلى أساليب أكثر تطوراً للبقاء في صدارة المواجهة، من خلال عمليات إنزال سرية في البحر، مستفيدين من الاتصالات المشفرة، والزوارق السريعة القوية، والغواصات غير المأهولة، وتقنيات تزييف إشارات نظام تحديد المواقع (GPS) التي تتيح للسفن إظهار مواقع وهمية، بحسب تقرير الصحيفة الأميركية.
“تأثير المياه”
من جانبه، قال القائم بأعمال رئيس وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول” يورغن إبنر: “يتعين عليك دائماً مواكبة التطورات، لأن هناك دائماً أسلوباً جديداً للعمل”. ويحذر من ظاهرة وصفها بـ”تأثير المياه”، حيث إن تشديد السلطات قبضتها في منطقة معينة قد يؤدي ببساطة إلى انتقال المشكلة إلى أماكن أخرى.
كما قال مارك ميليت، الرئيس السابق لأركان قوات الدفاع الإيرلندية: “لسنا في وضع يسمح لنا بوقف هذه التدفقات”، مضيفاً أن أجهزة إنفاذ القانون الأوروبية تحتاج إلى “معلومات آنية حول ما يحدث على سطح المحيط وقاع البحر وفي المجال الجوي فوقه”.
وتشير التقديرات إلى أن حجم المشكلة هائل، إذ تضاعف إنتاج الكوكايين في أميركا اللاتينية أربع مرات خلال العقد الماضي، مع استغلال شبكات إجرامية في كولومبيا وبيرو وبوليفيا طرق التجارة العالمية لنقل كميات ضخمة من المخدرات. كما يتزايد نقل الكوكايين من البرازيل إلى أوروبا عبر غرب إفريقيا.
الأمم المتحدة تحذر
بدورها، حذرت الأمم المتحدة من أن المعروض من الكوكايين قد يتجاوز الطلب قريباً، ما يزيد من حوافز المهربين لإغراق الأسواق الأوروبية بمزيد من الكميات.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أوروبا أصبحت اليوم تستقبل كميات من الكوكايين تفوق ما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي، التي تُعد على نطاق واسع فترة ازدهار انتشار هذا المخدر. وفي العام الماضي وحده، ارتفعت نسبة بقايا الكوكايين في مياه الصرف الصحي بالمدن بأكثر من الخُمس، وفقاً لوكالة الاتحاد الأوروبي المعنية بالمخدرات.
وفي عام 2021، قدرت الوكالة قيمة سوق الكوكايين في أوروبا بنحو 11.6 مليار يورو، فيما يرى مايكل أوسوليفان، الرئيس السابق لمركز التحليل والعمليات البحرية لمكافحة المخدرات، وهو جهاز أمني يضم دوريات شرطية وعسكرية من تسع دول أوروبية، أن قيمة السوق تقترب اليوم من 15 مليار يورو.
وأدى انخفاض الأسعار وسهولة إتمام الصفقات عبر تطبيقات المراسلة المشفرة الشهيرة إلى جعل الكوكايين أكثر سهولة في الوصول إليه. ويقول جوليان غارساني، رئيس مكتب وكالة الأمم المتحدة المعنية بالمخدرات في بروكسل، إن الاعتقاد بأن المستخدم النموذجي هو شخص يبحث فقط عن جرعة من الإثارة خلال سهرة لم يعد صحيحاً إلى حد كبير، مضيفاً: “لقد اخترق المخدر جميع الفئات العمرية وجميع شرائح المجتمع”.
وقد عززت السلطات الأوروبية جهودها لمكافحة هذه الظاهرة من خلال زيادة الاستثمارات في أمن الموانئ وتعزيز التعاون القضائي، لكن عصابات المخدرات لا تزال متقدمة بخطوة.
في حين يقدر مسؤول عمليات الأسطول البحري الإيرلندي أن أجهزة إنفاذ القانون لا تضبط سوى نحو 10% من الكوكايين الذي يُشحن إلى أوروبا. ورغم محدودية الموارد، يضطر إلى متابعة الزيارات المتزايدة لسفن تجسس روسية، إضافة إلى مراقبة التهديدات البحرية خلال عدد من قمم الاتحاد الأوروبي التي تستضيفها إيرلندا هذا العام.
ويقول المسؤول: “لا يمكن القول إننا ننتصر إلا إذا تمكنا من قطع الإمدادات بالكامل”، مشيراً إلى أن القوات البحرية وأجهزة إنفاذ القانون الأوروبية تتبادل المعلومات، لكنه يضيف: “هل يحصلون على كل شيء؟ هل يؤدي ذلك إلى القضاء على المشكلة على الأرض؟ لنكن واقعيين، الإجابة لا”.
“غواصات مخدرة”
وبدأ تهريب الكوكايين إلى أوروبا على نطاق واسع في ثمانينيات القرن الماضي، عندما سعت عصابات المخدرات الكولومبية إلى تنويع أسواقها بعد تشبع السوق الأميركية. وفي البداية، استخدم المهربون اليخوت والقوارب السريعة، لكن مع ارتفاع حجم الشحنات منذ تسعينيات القرن الماضي، لجأوا إلى استخدام حاويات نقل البضائع، بما فيها شحنات الفواكه، إلى جانب أساليب أكثر ابتكاراً، مثل إرسال “الغواصات المخدرة” مباشرة إلى أوروبا.
ويعمد المهربون إلى خلط مسحوق الكوكايين بمواد أخرى مثل الأغذية والبلاستيك والمنسوجات والكرتون وحتى جلود الأبقار لإخفائه أثناء النقل، قبل استخراجه لاحقاً داخل مختبرات كيميائية سرية.
ومن بين الأساليب المستخدمة، تغيير التركيبة الكيميائية للمخدر ورشه على الفحم لإخفائه خلال عمليات التهريب، ثم إعادة استخراجه بطرق كيميائية في مواقع مجهزة سراً.
مخدرات في موانئ رئيسية
هذا وتمكنت دول أوروبية خلال العقد الماضي من ضبط كميات ضخمة من الكوكايين، خصوصاً في موانئ رئيسية مثل روتردام الهولندي وأنتويرب البلجيكي، حيث سجل عام 2023 رقماً قياسياً بضبط 118 طناً من المخدر.
ومنذ عام 2019، تجاوز عدد عمليات الضبط في أوروبا نظيرتها في الولايات المتحدة، لكن السلطات البلجيكية سجلت خلال السنوات الثلاث الماضية تراجعاً كبيراً في المضبوطات، مع انخفاض الكميات المصادرة في ميناء أنتويرب نتيجة تعزيز إجراءات التفتيش والأمن.
ويقول مسؤولون أوروبيون إن تشديد الرقابة على الموانئ الكبرى دفع شبكات التهريب إلى تغيير أساليبها، والاعتماد بشكل متزايد على عمليات تسليم في عرض البحر باستخدام تقنيات تحديد المواقع والأقمار الصناعية، وزوارق سريعة، وسفن تجارية، وأحياناً غواصات صغيرة.
البرتغال وإسبانيا من أبرز نقاط دخول الكوكايين
وتتركز عمليات الإنزال البحري خصوصاً قرب جزر الأزور والكناري، ما يجعل البرتغال وإسبانيا من أبرز نقاط دخول الكوكايين إلى أوروبا. ويحذر مسؤولون من أن اتساع رقعة المحيط الأطلسي يمنح المهربين ميزة كبيرة، إذ يصعب رصد تحركاتهم في هذه المساحات الشاسعة.
وفي إيرلندا، أدى تصاعد تدفق الكوكايين إلى تحوله إلى أكبر مشكلة مخدرات في البلاد، مع ارتفاع أعداد المتلقين للعلاج من الإدمان بشكل حاد منذ عام 2017، بالتزامن مع تراجع قدرات البحرية بسبب نقص الأفراد والسفن العاملة.
ورغم نجاح أجهزة الأمن الأوروبية في اختراق تطبيقات مشفرة كانت تستخدمها شبكات التهريب، مثل Sky ECC، وإلقاء القبض على عدد من كبار المهربين، تؤكد السلطات أن العصابات تتكيف بسرعة وتنتقل إلى أساليب اتصال ومسارات جديدة.
وتكمن قوة تجارة الكوكايين في الأرباح الضخمة التي تحققها الشبكات الإجرامية، إذ ترتفع هوامش الربح بشكل كبير عند انتقال المخدر من أميركا اللاتينية إلى الأسواق الأوروبية. وتسيطر على أجزاء من هذه التجارة مجموعات إجرامية دولية، بينها عصابات من البرازيل والمكسيك والبلقان.
ويشير خبراء إلى أن انخفاض الأسعار وارتفاع نقاء الكوكايين يعكسان وفرة المعروض، مع استمرار تدفق كميات كبيرة عبر المحيط الأطلسي، في وقت تواجه فيه أوروبا تحدياً متزايداً لاحتواء هذه التجارة.
زر الذهاب إلى الأعلى