تعيد التصريحات الأخيرة لمحافظ البنك المركزي، والتي دعا فيها إلى تسريع تقليص استخدام النقد (الكاش)، وضع الثقافة المالية في قلب نقاش وطني غالباً ما يُختزل في أبعاده التقنية البحتة. فخلف رهانات رقمنة المدفوعات وتحديث النظام المالي، يكمن في الواقع تحدٍ حضاري اقتصادي وهو تحدي تحويل السلوكيات. وبدون هذا التأصيل الثقافي الأساسي، ستظل عملية تقليل الاعتماد على النقد مجرد تمنيات، تصطدم بمقاومات ناتجة عن الجهل أو الريبة.
الإقصاء.. بين الجغرافيا والريبة إن التشخيص لا يقبل الجدل، فبنسبة نفاذ إلى الخدمات البنكية لا تتجاوز 36.9% في عام 2021، تعاني تونس من هشاشة هيكلية مقلقة. وتبرز المقارنة مع المغرب (58%) في عام 2024 حجم المسافة التي يتعين قطعها. لكن هذا الإقصاء ليس مجرد مسألة تغطية ترابية، بل هو عرض لشرخ أعمق بين نظام مالي يُنظر إليه كعالم منغلق، وبين سكان يلجؤون إلى القطاع غير الرسمي استجابةً لمتطلبات الواقع المعيشي الملحّ. إن الاقتصاد الموازي، الذي يستوعب نصف نشاطنا، ليس مجرد تحدٍ ضريبي، بل هو مرآة لانعدام ثقة عام. وفي هذا السياق، لا تُعد الثقافة المالية مجرد بيداغوجيا فوقية، بل هي الفعل التأسيسي لاستعادة الثقة.
الوهم التكنولوجي والواقعية المؤسساتية غالباً ما يُستشهد بنجاح تجربة “M-Pesa” الكينية كمثال، لكن استيرادها سيكون وهماً دون تحليل دقيق لخصوصياتنا. فالتكنولوجيا وحدها لا تغير العقليات بل هي فقط تضاعف الاستخدامات حيثما وجدت الثقة بالفعل. وتظهر لنا التجربة الدولية أن الشمول المالي المستدام يقوم على جهد استيعاب تدريجي، متجذر في المدى الطويل للمنظومة التربوية. وهذا هو السبيل الوحيد لتحويل الريبة إلى انخراط طوعي في الاقتصاد المنظمة و المهيكل.
2026-2030: انتقال مشروط يجب أن يجعل مخطط التنمية 2026-2030 من الثقافة المالية رافعة استراتيجية كبرى. لكن لنكن واقعيين: إن الدعوة إلى إدماج القطاع الموازي دون إصلاح جودة المقابل الذي تقدمه الدولة سيكون خطأ في التقدير. إذ يجب أن ترتبط الثقافة المالية بالضرورة بجبائية عادلة وحماية اجتماعية قوية. كما أنها تمثل ضرورة حيوية لمؤسساتنا الصغرى والمتوسطة (TPME) – التي تمثل 96% من نسيجنا الإنتاجي – والتي غالباً ما تنهار بسبب التسيير العشوائي، لافتقارها إلى ثقافة مالية مهيكلة.
عقد الثقة الجديد: أجندة من أجل الصمود يتطلب الخروج من مرحلة النوايا تظافر جهود ثلاثة أطراف ملتزمة: الدولة كضامن استراتيجي، والفاعلون الخواص كقنوات للابتكار، والمجتمع المدني كوسيط ميداني. ويجب أن تترجم هذه الأجندة إلى أفعال ملموسة:
-
مأسسة تعلم المالية منذ المرحلة الثانوية مع وضع أهداف قابلة للتقييم.
-
تعبئة الشبكة البريدية وأعوان التمويل الصغير كقنوات لمحو الأمية المالية الميدانية.
-
ربط المساعدات العمومية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة بشكل منهجي بضرورة المرافقة المالية.
إن بناء ثقافة مالية وطنية يعني قبل كل شيء تسليح المواطن، ومنحه أدوات المقارنة والمطالبة بالجودة تجاه المؤسسات. فالثقة لا تُفرض بمرسوم، بل تُبنى بالبرهان والمعرفة. إن الثقافة المالية ليست ملحقاً للإصلاح، بل هي أساسه. وإهمالها سيكون خطأ استراتيجياً. إن جعلها قضية وطنية هو اليوم الثمن الذي يجب دفعه من أجل سيادتنا الاقتصادية. ففي الاقتصاد كما في غيره، لا حرية بلا معرفة، ولا تقدم بلا ثقة.
عبد الوهاب بن موسى
مهندس إعلامية وإطار بنكي
زر الذهاب إلى الأعلى