أطلقت تونس تحذيرًا شديد اللهجة بشأن الصناديق الاجتماعية، حيث استقبل الرئيس رئيسة الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية لبحث الوضع الذي وُصف بأنه «غير مقبول». الرسالة كانت واضحة، إذ أصبح من الضروري الشروع في إصلاحات هيكلية شاملة، وتحوّل إعادة هيكلة النظام إلى أولوية سياسية لا يمكن تأجيلها. ورغم هذه التصريحات، يبقى الواقع معقدًا، إذ تتقاطع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية عند مفترق صعب يتطلب حلولًا متوازنة وحاسمة.
العجز في الصناديق الاجتماعية لم يكن مفاجئًا، بل هو نتيجة طبيعية لتطورات عدة. فقد أدت شيخوخة السكان وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى زيادة الضغوط على النظام، بينما ظل النمو الاقتصادي ضعيفًا، وظلت نسب البطالة مرتفعة، في ظل حجم كبير للاقتصاد الموازي وتأخر الإصلاحات واختلالات الحوكمة. ومع هذه الضغوط المتصاعدة على المالية العامة، لم تعد المسألة مجرد قضية اجتماعية، بل أصبحت تمسّ الاستقرار الاقتصادي العام بشكل مباشر.
يبرز متوسط سن التقاعد الذي يتجاوز 60 سنة، ونسبة الاقتصاد غير الرسمي التي تصل إلى 40٪، والعجز التراكمي المتوقع الذي يفوق 15 مليار دينار تونسي. هذه الأرقام تمكّن القارئ من فهم أبرز التحديات بسرعة ووضوح، وتضع الأزمة في إطارها الصحيح.
إصلاح الصناديق الاجتماعية لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة. أي إصلاح ناجح يجب أن يشمل تعديل سن التقاعد ونسب الاشتراكات بما يتناسب مع الواقع الديموغرافي، وتوحيد الأنظمة المختلفة لتفادي الفروقات الكبيرة بين المواطنين، مع توسيع القاعدة المساهمة تدريجيًا لضمان استدامة الموارد المالية، وتحسين الحوكمة وتنويع مصادر التمويل. التحدي يكمن في تحقيق ذلك دون خلق شرخ اجتماعي، مع مراعاة نسق التنفيذ ومداه التدريجي لتفادي أي توترات محتملة.
كما أن الحوكمة والشفافية تمثلان الأساس الذي تبنى عليه مصداقية أي إصلاح. جودة الإدارة تؤثر مباشرة على تحصيل الاشتراكات ومردودية الاستثمارات وثقة المنخرطين. لذلك، يصبح من الضروري اللجوء إلى التدقيق المستقل، والنشر الدوري للبيانات، ورفع مستوى مهنية الهيئات لضمان ثقة المواطنين واستمراريتها.
في المقابل، فإن أي إصلاح سريع جدًا قد يثير توترات اجتماعية، بينما الإصلاح البطيء جدًا قد يؤدي إلى تفاقم العجز، ونقص الشفافية يمكن أن يفقد المنخرطين الثقة بالنظام. لذا، يعتمد نجاح أي خطة على وضوح الجدول الزمني وسرعة التنفيذ المناسبة، بحيث توازن الإجراءات بين الفاعلية والقبول الاجتماعي.
على المدى المتوسط، يمكن التفكير في نموذج هجين يجمع بين التوزيع التقليدي والرسملة المنظمة. هذا النموذج قد يساهم في توزيع المخاطر وتعزيز استدامة النظام، رغم التحديات المتمثلة في ضعف الأسواق المالية وتقلباتها، واحتمال توسيع الفوارق بين المواطنين. ويمكن للركن التكميلي التدريجي والمنظم أن يثبت المنظومة ويضمن استمرار الطابع التضامني العام للصناديق.
المعادلة التونسية واضحة: عدالة اجتماعية، انضباط مالي، ونمو اقتصادي رسمي، هي التي تضمن صناديق مستدامة وذات مصداقية. لقاء قرطاج يفتح دورة جديدة من القرارات ويؤكد أن أي حل تقني أو سياسي منفرد لن يكون كافيًا. النجاح سيكون نتاج تسوية متوازنة تجمع بين الإنصاف، الواقعية المالية، وتعزيز الاقتصاد لضمان استقرار نظام الحماية الاجتماعية على المدى الطويل.
عبد الوهاب بن موسى
زر الذهاب إلى الأعلى