Centered Iframe
Centered Iframe
ثقافة وفنون

وائل جسار يعزف على اوتار الاحساس … وجمهور مهرجان صفاقس الدولي يرد بعاصفة من التصفيق

عاشت مدينة صفاقس على وقع واحدة من أجمل السهرات الفنية في الدورة السادسة والأربعين لمهرجان صفاقس الدولي، حيث صنع الفنان اللبناني وائل جسار ليلة استثنائية أعادت للمهرجان بريقه، ورسخت في أذهان الجمهور أن الأغنية الأصيلة ما تزال قادرة على جمع الآلاف حول الكلمة الراقية واللحن الجميل والأداء الصادق.

فمنذ اللحظات الأولى لاعتلائه ركح المسرح الصيفي بسيدي منصور، بدا واضحًا أن الجمهور كان على موعد مع عرض مختلف، عنوانه الإحساس والاحترافية والتواصل المباشر مع الحاضرين. فقد استقبلت الجماهير الفنان اللبناني بحفاوة كبيرة، ليبادلها التحية بمحبة صادقة، ويبدأ رحلة موسيقية امتدت لساعات، تنقل خلالها بين أبرز محطات مسيرته الفنية، وسط تفاعل استثنائي لم ينقطع طوال السهرة.

لم يعتمد وائل جسار على صوته العذب فقط، بل قدّم عرضًا متكاملاً جمع بين الأداء الراقي والحضور المسرحي المميز، حيث حرص على التفاعل مع الجمهور، ومشاركته الغناء في أكثر من مناسبة، فكانت الأجواء مفعمة بالحيوية والدفء، في مشهد يعكس العلاقة الخاصة التي تجمعه بجمهوره في تونس، وبجمهور مهرجان صفاقس الدولي على وجه الخصوص.

وشكّل البرنامج الغنائي رحلة عبر الزمن الجميل، إذ مزج الفنان بين أشهر أغانيه التي صنعت نجاحه، وبين روائع الطرب العربي الخالد، فاستعاد الجمهور ذكريات الأغنية الأصيلة التي ما تزال تحتفظ بمكانتها رغم تغير الأذواق وتعدد الأنماط الموسيقية. كما حرص على أداء عدد من الأغاني التونسية، في لفتة نالت استحسان الحاضرين، وأكدت احترامه لخصوصية الجمهور المضيف واعتزازه بالغناء أمامه.

ومن أبرز محطات السهرة، الأداء المتميز لأغنية “العيون السود” للفنانة الكبيرة وردة الجزائرية، حيث قدمها وائل جسار بإحساس مرهف وصوت متمكن، فعمّ الصمت أرجاء المسرح قبل أن يتحول إلى موجة من التصفيق الحار، بينما ردد الجمهور كلمات الأغنية في مشهد جسّد قيمة الطرب الأصيل، وقدرته على تجاوز حدود الزمن والأجيال.

وعلى المستوى الموسيقي، ظهر الانسجام الكبير بين الفنان وأعضاء فرقته، فكان الأداء متوازنًا واحترافيًا، ما منح الأغاني بعدًا فنيًا راقيًا زاد من جمال العرض. كما ساهمت الإضاءة والتقنيات الصوتية والتنظيم المحكم في توفير كل عناصر النجاح، لتخرج السهرة في أفضل صورة ممكنة، تليق بتاريخ مهرجان صفاقس الدولي ومكانته ضمن أبرز التظاهرات الثقافية والفنية في تونس.

ولعل أكثر ما ميز هذه الأمسية هو الحضور الجماهيري الغفير، الذي ملأ مدرجات المسرح الصيفي عن آخرها، في رسالة واضحة تؤكد أن الجمهور لا يزال يبحث عن الفن الحقيقي، ويمنح ثقته للعروض التي تحترم ذائقته وتقدم له محتوى فنيًا راقيًا بعيدًا عن الابتذال.

وبلغة كرة القدم، يمكن القول إن مهرجان صفاقس الدولي نجح في تحقيق “عودة قوية” بعد بداية لم ترقَ إلى مستوى تطلعات جزء من جمهوره. فجاء عرض وائل جسار ليعيد الثقة، ويمنح الدورة السادسة والأربعين انطلاقتها الفنية الحقيقية، وليؤكد أن المهرجان قادر على استعادة بريقه عندما يراهن على الأسماء الفنية القادرة على صناعة الحدث وإرضاء مختلف الأذواق.

ولم تكن هذه السهرة مجرد حفل غنائي ناجح، بل مثلت رسالة ثقافية وفنية تؤكد أن الأغنية العربية الأصيلة ما تزال حية، وأن الفنان الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحول المسرح إلى مساحة للمحبة والفرح والحنين، وأن يبني مع جمهوره علاقة تقوم على الصدق والاحترام والإبداع.

ومع إسدال الستار على هذه الأمسية، غادر الجمهور المسرح وهو يحمل انطباعات إيجابية وذكريات جميلة، بعدما عاش لحظات طربية نادرة أعادت إلى الأذهان زمن الفن الجميل، ورسخت قناعة بأن وائل جسار لا يزال واحدًا من أبرز الأصوات العربية القادرة على صناعة السهرات الاستثنائية، وأن مهرجان صفاقس الدولي استعاد مع هذه الليلة جزءًا كبيرًا من وهجه، فاتحًا الباب أمام بقية العروض لمواصلة النجاح والمحافظة على المستوى الذي رسمته هذه الأمسية المميزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى